حروب داخل حرب: مدخل لفهم الاقتتال الداخلي

حروب داخل حرب: مدخل لفهم الاقتتال الداخلي

لا تعتبر الثورة السورية حالة فريدة في نشوء ظاهرة الاقتتال الداخلي في صفوفها، فلقد شهدت الجزائر إبّان حرب التحرير ديناميكية شبيهة حين قامت الجبهة الوطنية للتحرير بمحاربة الحركة الوطنية الجزائرية. وبحسب بعض المصادر فاق عدد عمليات الجبهة ضد الحركة عدد العمليات التي استهدفت الجيش الفرنسي، وكذلك في سيرلانكا حين قضت حركة نمور التاميل على جميع فصائل المقاومة الأخرى. تتعدد الأمثلة، وتتغير الأسماء والأسباب المعلنة، وتبقى حقيقة واحدة ثابتة بغض النظر عن نتيجة الحرب سواء انتصر الثوار / المتمردين أو النظام / الحكومة، لم تنج أية حالة فصائلية من الاقتتال الداخلي

مجاهدي جبهة التحرير الوطنية، اتهمتهم الحركة الوطنية الجزائرية والحكومة الفرنسية بارتكاب عدّة مجازر في جق مناصري الحركة، أشهرها مجزرة بني يلمان

كشف اللثام عن الأسباب الموضوعية للنزاع الداخلي بين فصائل المقاومة السورية مهم لسببين رئيسين، الأول رسم واعتماد السياسات الملائمة والفعّالة لحثّ جميع الأطراف على التعاون الإيجابي، والثاني منع أي تعاون محتمل بين أحد أطراف المقاومة والنظام، حيث تشير دراسات الحالات السابقة إلى ازدياد احتمال الانشقاق والانضمام للعدو المشترك مع احتداد وتيرة النزاع الداخلي.

كما تظهر التجارب السابقة في الثورة السورية ودول أخرى أن النزاعات تنشأ حول النتائج والأعراض الجانبية لأساس الإشكال بين المتنازعين، ولكن غالباً ما يتدخل الوسطاء لحلها على مستوياتها الدنيا فحسب عوضاً عن معالجة جذور الخلاف. وتؤكد التجارب نفسها فشل معظم الحلول السطحية فيما تتجذر الإشكالات الأصلية بسبب تجاهلها.

يكشف تحليل البيانات الصادرة عن الفصائل التي كانت طرفاً في نزاع داخلي أن معظم الأسباب المعلنة لتبرير القتال تندرج ضمن اللائحة التالية:

  1. محاسبة العناصر المسيئة.
  2. تحكيم الشرع في خلافات بين العناصر.
  3. وقف أعمال السرقة والنهب.
  4. المطالبة بتسليم قاتل / مجرم.
  5. خرق بند أو كل بنود اتفاقية تعاون مشترك / تحالف / صلح.
  6. التعاون مع الأعداء.
  7. تخزين السلاح والعتاد وعدم مشاركته أثناء المعركة.

وفي المقابل يجنح الخبراء والمحللون إرجاع أسباب الاختلاف إلى عوامل ذات طبيعية اجتماعية أعمق. وإذ لا يمكن تجاهل هذه الإشكالات الناتجة عن خلل العقد الاجتماعي في سورية وعبث حزب البعث فيه، إلّا أنها تعجز عن تفسير النزاعات التي تنشأ بين فصائل تتبنى نفس الفكر وتسكن ذات المنطقة وينتمي أفرادها لنفس العوائل والحواضن الاجتماعية المحلية. فما هو إذاً جذر الخلاف الذي لم نزل غير قادرين على التعرّف عليه، وبالتالي طرح الحل الأنسب لتحييده على الأقل؟

مظاهرة في مدينة معرّة النعمان تطالب بتحكيم المحكمة الشرعية في اعتداء جبهة النصرة على الفرقة 13

يقدم هذا الملف نظريةً أساسها أن الفصائلية حبلى بالاقتتال الداخلي، وأن تضارب المصالح في استقطاب الحاضنة الشعبية وإدارة الموارد المحلية تشّكل وعياً مستبطناً لدى الفصائل بوجود مكامن فرص لاحتكار القوة، ومواقع تهديد من اضمحلال قوتها مما يدفعها لمبادرة القتال مع الفصائل الأخرى إما لاستثمار الفرص أو للقضاء على التهديد. ونسعى في هذا الملف تعريف القرّاء والوسطاء على ديناميكيات نشأة القتال الداخلي بهدف مساعدتهم على إيجاد الحلول المناسبة والناجعة في مواجهة الظاهرة.

وتظهر مكامن الفرص، عندما يشعر فصيل ما بقوته النسبية مقارنة بالفصيل المنافس على ذات الموارد الذاتية (حاضنة اجتماعية، تمويل، دخل محلي) وعندما يكون التهديد الذي يشكّله النظام في أدنى درجاته. وتشكّل الظروف السابقة محفزّات للطرف الأقوى في التحرك لأجل فرض هيمنته على مصادر قوة الفصيل الأضعف.

أمّا مواقع التهديد، فيزيد الوعي الذاتي بها عند ارتفاع وتيرة الأعمال العدائية من فصيل منافس، أو عند مواجهة خطر الزوال، وتحفّز الظروف السابقة غرائز البقاء لدى الفصيل المهـدَد بما يشجعه على القيام برهانٍ أرعن هدفه الرئيس خلط الأوراق وخلخلة التوازن البيئي أملاً بتحقيق تحالفات جديدة أو اكتساب مصادرة قوة بديلة.

تتناول الفقرة الأولى من هذه الورقة لغز الاقتتال الداخلي، فيما تفّصل الفقرة الثانية الديناميكيات الناتجة عن الفصائلية والمسببة في تشكّل مكامن الفرص ومواقع التهديد لدى الفصائل، ونطرح في الفقرة الثالثة نتائج دراسة أبرز 30 حالة اقتتال داخلي عصفت بالثورة، ونختتم الملف ببعض الآليات التي من شأنها رفع الكلفة المترتبة على القتال وتخفيض المصلحة العائدة منه أملاً في تثبيط الفصائل عن مهاجمة حلفائها ومنافسيها على حد سواء. 

1. اللغز الاجتماعي

تشكّل ظاهرة الاقتتال الداخلي وما ينتج عنها من هدر للموارد البشرية والعسكرية والمالية الشحيحة لغزاً من الناحية الاجتماعية، وكثيراً ما يصعب على الحاضنة الاجتماعية تقبّلها والتعامل معها وذلك لكونها تتعارض مع مبدأ التعاون في حروب التحرير والثورات. وتسود الوعي العام ثلاثة أفكار رئيسية من شأنها تشجيع الحاضنة على التحالف بدلاً عن التنافس وهي:

  1. عدو عدوي صديقي: المقاربة السائدة لدى عموم الخبراء أن الصراع مع نظام جائر أو محتل أجنبي قوي من شأنه تقوية أواصر التعاون بين المتمردين عليه (الأضعف)، ويقتضي منطق "في الاتحاد قوة" تجميع القوى الصغيرة والمتفرقة رغم اختلافها في القضاء على العدو الأقوى.
  2. الاقتتال يظهر بعد الانتصار وليس قبله: كان للتجربة الأفغانية الأثر الأكبر على تشكّل الوعي الشعبي حول النزاعات الداخلية بين أبناء القضية الواحدة، ويقتضي منطق ميزان القوة والمصالح تخطي الفروقات الفرعية لحين الانتصار على العدو المشترك.

الدعاية السلبية المترتبة على التفرقة: للنزاعات الداخلية أثر معلوم على صورة وسمعة الثورة عند الحاضنة الاجتماعية والداعمين الدوليين، ولقد أظهرت التجارب السابقة أن شرعية النظام تزداد مع ارتفاع حدّة النزاعات بين الثوار / المتمردين وذلك رغم الدعم المحلي والدولي الأولي لهم.

يتبنى المحللّون السوريون المتعاطفون مع الثورة عدد من القراءات التقليدية حول جذور الاقتتال الداخلي بين فصائل الثورة، أهمها عوامل: المناطقية، الاختلاف الأيديولوجي والفكري، الطبقية، الانتماء القومي، والتدخل الخارجي. وبالفعل لا تخلو معظم النزاعات التي شهدتها الثورة من تأثير تلك العوامل فيها، إلا أن تعدد طرق توظيفها واختلاف نطاق تأثيرها يدفعنا لتقييمها كأدوات تعبوية بدلاً عن كونها أسباب ذاتية لافتعال القتال والمبادرة في الهجوم على "الخصم". فالمناطقية تفسّر بعض النزاعات وتعجز عن تفسير معظمها. أمّا الاختلاف الأيديولوجي الفكري، فعدا عن الصبغة الإسلامية المهيمنة على سواد الثوار، لم يشفع التطابق الفكري والمذهبي في عدم ظهور نزاعات على مستوى الجبهة الإسلامية مثلاً. وكذلك الانتماء القومي فعلى الرغم من اشتعال جذوة الصراع بين حزب الاتحاد الديموقراطي وكتائب الثورة، إلا أن اختلاف الأهداف وتباين الحواضن الاجتماعية يجعل هذا الصراع خارج تصنيف الاقتتال الداخلي.

اجتهد عدد من الباحثين في دراسة ديناميكيات الحروب الأهلية، ويمكن تصنيف النظريات المقدمة في هذا الحقل ضمن ثلاث مجموعات:

  • القتال بين المكونات الاجتماعية المختلفة: وهو القتال الذي ينشب بين مجموعات متباينة اجتماعياً وذات انتماءات قومية أو دينية مختلفة. وترجع الدراسات أسباب هذا الاقتتال لغياب العقد الناظم بين المكونات المتحاربة أو لضعف آليات تنفيذه، ويرتفع احتمال نشوب النزاع كلما زادت درجات التداخل في إدارة المصالح المشتركة، وكلما زاد حضور المحرّض الخارجي. أمثلة: طوشة النصارى في بلاد الشام، الحرب الأهلية الأوغندية، الحرب اللبنانية.
  • التحالف بين المجموعات المتجانسة: وهي التحالفات التي تتشكل بين مجموعات ذات انتماء قومي أو محلي أو ديني واحد، ولا يوجد تمايز واضح بين حواضنها الشعبية. وتخلص الدراسات في هذه المجموعة لوجود نزعة طبيعية عند الفرقاء لتكوين أضعف الائتلافات القادرة على التغلّب على العدو المشترك، وأنها عرضة للحل عند بروز أول فرصة لتكوين ائتلاف أصغر وأقوى. أمثلة: الجبهة الإسلامية وجبهة تحرير سورية، المجاهدون في أفغانستان.
القتال بين المجموعات المتجانسة: وتخلص هذه المجموعة لحتمية نشوب الاقتتال بين الفرقاء وذلك للتطابق شبه التام في مصادر الشرعية والقوة، وأن صعوبة الفصل بين تشعبات المصالح يضعف أي صيغة تشاركية محتملة، مما يدفع القادة للبحث عن سبل الهيمنة عوضاً عن الالتزام بتعاون هشّ ومؤقت. أمثلة: البارزاني وطالباني، القتال بين الفصائل السورية. 

2. مكامن الفرص، ومواقع التهديد

إن غياب وجود مظلّة إدارية وقانونية موحدة تفرض إرادتها وعدم وجود قواعد للتعاون بين فصائل الثورة تدفع قوى الثورة للاعتماد على نفسها وعلى التعاون المحتمل مع غيرها في تحقيق أهدافها. وفي حين يدرك الجميع أنه غير قادر على الانتصار بمفرده على النظام، نجد أن جميع محاولات التعاون والائتلاف قد فشلت. ويعود ذلك إلى تضارب المصالح، فعلى الرغم من تطابق الأهداف الاستراتيجية لدى الفصائل في إسقاط النظام، وإقامة حكم جديد، إلّا أنها تمتلك أهداف تنظيمية مختلفة. إن الخلاف حول إدارة الموارد المتوفرة، والعلاقة الناظمة مع الحاضنة الاجتماعية يتحول بشكل تلقائي إلى تضارب مصالح يرتقي ويستثار إلى حد النزاع مع ازدياد الندرة.

وبناءً عليه يمكن القول إنه يتوقف قرار المبادر في النزاع على:

  1. تقديره لحجم المصلحة العائدة
  2. تقديره لكلفة النزاع

فيما يلي جدول يحدد منطق اتخاذ القرار لدى المبادر:

منطق السلامة أولاً

لا يمثل تشكّل فرصة أو تهديد فصيل بغض النظر عن حجم المتوقع الحصول عليه من المكاسب محفّزاً تلقائياً لمبادرة إحدى الفصائل في الهجوم على فريق منافس، وإنما يتدّخل عامل مهم آخر هو مدى حساسية القيادة لكلفة النزاع. فقد تبادر إحدى الفصائل لقتال مجموعة منافسة رغم عدم اجتماع الظروف الأنسب له وذلك خوفاً من ارتفاع كلفته فيما لو أُرجئ.

ويعود سبب سيادة الشك والارتياب عند الفصائل من التزام منافسيها بمبدأ التعاون إلى فوضى القانون في المناطق المحررة، وإلى غياب آليات المحاسبة والمراقبة بين الكتائب. ويوجد شعور عام لدى معظم الفاعلين المحليين بعدم جدوى المحاكم الشرعية في فضّ النزاعات وذلك لعدم استقلاليتها ولخضوعها لسيطرة فصائل معينة، مما يحيّدها عن القيام بواجبها عندما يكون داعموها أحد أطراف النزاع. ولذا يؤدّي غياب آليات المحاسبة الفعّالة والمستقلة والموثوق بها إلى تغلّب منطق السلامة أولاً على التعاون الهشّ الذي قد يحمل مخاطر لاحقاً، حيث تؤثر الفصائل القضاء على مصدر التهديد حينما تشك بنوايا الفصيل الآخر، ولا تثق بقدرته على الامتثال بمبدأ "عدم الاعتداء" أو "الدفاع المشترك". وتعتبر المبادرة في القتال، في هذه الحالة، تحركاً استباقياً درأً لهجوم محتمل مستقبلي.

الاستغلال السهل

تشترك فصائل الثورة في الحاضنة الاجتماعية، وفي السيطرة على ذات الرقعة الجغرافية، فهي تتنافس على إدارتها واستثمارها، وتنظر إلى سهولة استغلال مصادر الأطراف الأخرى فيما لو ارتفعت كلفة جلب مصادر دعم خارجية. فعلى مستوى المقاتلين مثلاً، أظهرت الحوادث السابقة ميولهم للانضمام إلى الطرف المتغلّب في الاقتتال فيما لو رافقتها حملة تشويه سمعة للطرف المغلوب.

بالطبع لا يفترض وجود هذا التنافس حول المصادر نشوء نزاع تلقائي حولها، ولكنه على غرار دافع الخوف والارتياب يستثار بديناميكيات العلاقة الناظمة بين الفصائل، ويمكن في هذا الصدد تسليط الضوء على ديناميكيتين محددتين تغذّيان شعور التهديد التنظيمي لدى القادة الذي يدفعهم في آخر المطاف لاستغلاله عوضاً عن الوقوع ضحية له، وهما:

  1. سهولة الاختراق من قبل الفصيل المنافس، وذلك سهل بسبب إمكانية توظيف الشباب المقاتلين من ذات الحواضن الشعبية.
  2. صعوبة احتواء مشاكل العناصر الشخصية والحؤول دون تحوّلها إلى صدام تنظيمي.

وفي حين يصعب التكيف مع الديناميكية الأولى، وهي ناتجة بشكل رئيسي عن عدم منطقية نشوء الفصائلية لدى شريحة اجتماعية متجانسة اجتماعياً، إلّا أن التخفيف من أثر الديناميكية الثانية متاح فيما لو وُجد الرادع المناسب. يشكّل غياب آليات المحاسبة الداخلية، ولوائح العقاب الإداري الفعّالة موقع ضعف يسهّل من تضخم المشاكل التنظيمية وتحولها إلى صدام دامي وصراع صفري مع الفصيل المقابل.

الفصائلية والهوية

لا يمكن تناول الثورة السورية وجانبها السياسي وتجاهل العوامل الاجتماعية التي ساعدت في نشأتها وأوجدت المناخ المجتمعي الحالي. ومن شأن الحروب الدامية وطول أمدها أن يتشكّل عنها هوّيات فرعية تغّذي في دورها الصراع. وإذ تحتل الهويات المحلية موقعاً هاماً في الضمير السوري، حيث ينتمي الفرد أولاً لعائلته ومن ثم بلدته أو مدينته ومن ثم البلد، تلعب الفصائلية دوراً وظيفياً في تشكّل هوية مرادفة للانتماء الاجتماعي تصبح بعد فترة موقع احتراب وقتال يستوجب الدفاع عنها بنفس درجة الدفاع عن الثوابت الأخرى.

لا تشكّل الهوية أو مجموع الانتماءات الفكرية دوافع كافية للاقتتال، ولكن غالباً ما يتم استحضارها للتعبئة المعنوية ولاكتساب شرعية محلية وذاتية لإجازة النزاع. وإذ تشجّع جميع المدارس الفكرية الإسلامية على الوحدة، فإنها تختلف في آلية تشكيلها، حيث تتبنى فصائل القاعدة مبدأ التغلّب، فيما يتبنى معظم الطيف الآخر مبدأ الشورى من خلال التعاون، والإيثار، والتشاركية.

من الجائز القول إذاً أن للفصائل القريبة فكرياً من القاعدة قابلية أكبر للاقتتال الداخلي من نظرائها الإسلاميين، ويكفي وجود هذه الحالة الشاذة في بيئة يسودها الارتياب وفوضى غياب القانون كي يتحول إلى نمط عام، حيث يثار لدى الهويّات الفرعية خوفاً وجودياً يسهل استثماره في تعبئة العناصر أيديولوجياً.

التدخل الخارجي

يقدّم التدخل الخارجي في الصراعات القومية والدينية بين مكونات محلية فرصة لتشكيل تحالفات مديدة، من شأنها تعزيز حظوظ الأقليّات في الاستمرار والهيمنة بفضل هذه الشراكات، . ويلعب المتدخل والمستفيد في هذه الحالة على تضخيم حجم الاختلافات مع الأغلبية وعلى تعظيم حجم التقاطعات بين الأقلية والمتدخل الخارجي.

أمّا على صعيد النزاعات بين المجموعات المتجانسة اجتماعياً يعلب التدخل الخارجي دور المحفّز، حيث يتدخل لتقليل الكلفة ولتعظيم المصلحة العائدة، ولكنه لا ينجح في تسويق علاقة تشاركية أقوى من الرابط الاجتماعي المتين أصلاً، ولذا نجد أن حجم تأثيره متفاوت ومتقلب ومحط شك وارتياب بما في ذلك عند المستفيد.

4. الدراسة الإحصائية

قام فريق مدونة نصح بإحصاء أهم حوادث الاقتتال الداخلي التي نشبت بين قوى المقاومة الوطنية والتي تشمل أربعة فرق: الجيش الحر، والكتائب الإسلامية، وجيش الإسلام، وحركة أحرار الشام من جهة، وجبهة نصرة الشام (جبهة فتح الشام)، وحلفاء تنظيم الدولة الإسلامية من جهة أخرى. واعتبرت هذه الفصائل أنها تتحرك في حيزٍ واحدٍ وبالتالي تتنافس على ذات المصادر البشرية والمحلية. وجرى استثناء كلاً من تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك لطابعه متعدد الجنسيات والعابر للحدود ولتمايز مناطق السيطرة، واستثناء حزب الاتحاد الديموقراطي لتمايز حاضنته الاجتماعية. وتمّ حصر أهم حالات النزاع التي تتعدى الاشتباكات المحدودة والنزاعات الفردية، ما بين عامي 2012 و2017 واستُثنت أحداث مواجهة الجيش الحر وجبهة فتح الشام التي نشبت في كانون الثاني 2017 وذلك لعدم استقرارها على نتائج نهائية عند إتمام الدراسة.

مصطلحات الدارسة

حالات القتال المدروسة

يبين الجدول التالي عدد 30 حالة موثقة من الاقتتال الداخلي، والمنطقة التي جرى فيها النزاع، وأي فريق كان البادئ المبارد وأي فريق كان المتلقي.

منهجية البحث

  • تم جمع البيانات من خلال تحليل البيانات والتصريحات الإعلامية الصادرة عن الجهات المحتربة والمتوسطة في النزاعات، ومن خلال إجراء مقابلات مع قيادات وأفراد المجموعات المعنية. 
  • تم جمع الكتائب التي تحمل شعارات إسلامية تحت اسم "فصائل إسلامية" وذلك لاتباعها نسقاً شبيهاً في تكوين تحالفاتها وعلاقتها البينية مع بقية فضائل المقاومة الوطنية.
  • تم إفراد كلّاً من حركة أحرار الشام وجيش الإسلام ببنود منفصلة وذلك تبعاً لخصوصية علاقتها مع بقية فصائل المقاومة ونسق تعامل المجتمع الدولي معها.
  • تم تحديد نوع ومسبب الاقتتال المرجح من خلال دراسة محفزات الطرف المبادر.
  • تم اعتبار محفز الهيمنة والاستحواذ عند إجتماع الطروف التالية:
    1. تعاظم المصلحة العائدة من السيطرة على موارد الطرف المتلّقي (عتاد، مقرات، أنفاق، حواجز، معابر حدودية)
    2. ضعف المتلّقي النسبي مقارنة بالمبادر وانخفاض كلفة المبادرة بالقتال
    3. التجييش الإعلامي المسبق وتبرير الهجوم على المتلّقي في الفترات السابقة للقتال خصوصاً بما يتعلق بالأمور المرفوضة شعبياً.
  • ​تم اعتبار محفز طرد التهديد الوجودي عند اجتماع الظروف التالية:
    1. تعاظم قوة المتلّقي النسبية وارتفاع كلفة المواجهة.
    2. تراجع قوة المبادر نسبياً أمام المتلقي.
    3. اشتراك المتلّقي والمبادر في الموارد المحلية واختلال ميزان السيطرة لصالح المتلّقي.
    4. ارتفاع مؤشرات العدوانية لدى الفصيل المتلقي (اعتداءات عناصر، نصب حواجز، إيقاف قافلة سلاح أو رتل عسكري).
    5. تحشيد العناصر داخلياً وتبرير القتال ضمن صفوف الفصيل.
    6. فشل الواسطات السابقة بين الفصيلين.
  • ​تم اعتبار محفز طرد التهديد المستقبلي عند اجتماع الظروف التالية:
    1. تعاظم قابلية الفصيل الخصم على التحشيد الداخلي ضد المبادر خصوصاً على الصعيد الأيديولوجي.
    2. تعاظم الدعم الدولي المقدم للفصيل المتلّقي وانتظامه.
    3. تردّي علاقة الفصيل المبادر بالمجتمع الدولي وبالدول الداعمة للفصيل المتلّقي.
    4. ارتفاع تنافس الفصيلين على الحاضنة الاجتماعية واتفاع أسهم الفصيل المتلّقي اجتماعياً.
    5. التحشيد الإعلامي المسبق والمبررات اللاحقة حول ارتباطات الفصيل الدولية أو مع تنظيم داعش.
    6. امتناع الفصيل المتلّقي أو تهربه من التعاون مع الفصيل المبادر.
  • ​تم تصنيف نوع القتال ومبرراته وفق إرهاصاته ونتائجه المباشرة.

التوزع الزمني والجغرافي

الشكل 1

يظهر الشكل 1. عدد حالات الاقتتال الداخلي حسب سنة حدوثها، وتكشف عن زيادة هذه الحالات مع تقدم الوقت، ويمكن إرجاع هذه الزيادة لعدّة أسباب أهمّها تقنين الدعم المالي، وزيادة حجم التدخل الخارجي، بالإضافة إلى تقدم النظام وما ينبني عليه من زيادة ضغط الحاضنة الشعبية على الفصائل المتنازعة. ويكشف الشكل 2. عن زيادة ملحوظة في أحداث الاقتتال بنية المبادر في الهيمنة على مصادر المتلّقي مما يشير بشكل رئيسي إلى ضلوع العامل المادي في اتخاذ القرار.

الشكل 2

أمّا الشكل 3. فإنه يكشف عن حجم دور التهديد الخارجي، ويظهر زيادة قابلية نشوء النزاعات عند انخفاض تهديد النظام أو داعش. وهذا ما يؤكده الشكل 4. الذي يظهر نمو حالات الاقتتال الداخلي في عمق الأراضي المحررة حسب السنة التي نشأت فيه. 

الشكل 3
الشكل 4

الأكثر شراسة

​ يظهر الشكل 5 عدد النزاعات التي خاضتها الفصائل مع خصومها حسب الدور الذي لعبته، ويتصدر الجيش الحر عدد الحالات حيث تم تسجيل تورطه في 37 حالة، خضع في 20 كمتلّقي مباشر للاعتداء في حين لم يبادر إلا بـ 5 حالات فقط. 

الشكل 5

​ أمّا جبهة النصرة فهي الجهة التي الأكثر مبادرة في الاقتتال، حيث سجل لها 16 حالة مبادرة من أصل 30 حالة. وبالنسبة للجهة الأقل ضلوعاً في الاقتتال الداخلي فكانت حركة أحرار الشام والتي غالباً ما تكتفي بالمؤازرة. ويبين الشكل 6. المتلّقي المفضل لكل مبادر، وإذ لا يعدو غريباً أن يتصدر جيش الحر لائحة "الضحايا" مقابل كل مبادر إلّا أن دوافعه جبهة النصرة لمبادرته في الهجوم ترجع إلى الغنى النسبي للفريق المتلقي، وهو ما يبرر حافز الاستحواذ على مصادره، وشرعيته الشعبية وهو ما يبرر حافز الهيمنة على حاضنته، وعلاقته مع الداعمين الدوليين وهو ما يبرر خوف الجبهة من تهديد مستقبلي منه. 

الشكل 6

التهديد الخارجي

الشكل 7

يظهر الشكل 7. إجمالي النزاعات حسب شكل الجبهة مع النظام أو تنظيم الدولة، وتكشف البيانات عن زيادة ملحوظة في الجبهات الباردة ذات حجم التهديد المنخفض، وهذا يعزز نزعة الفصائل للاقتتال عند انخفاض التهديد الخارجي من النظام. ويؤكد الشكل 8. هذه النزعة حيث يزداد عدد النزاعات بهدف الهيمنة في البيئات الأكثر استقراراً فيما يزداد عدد النزاعات بهدف القضاء على التهديدات الوجودية والمستقبلية في البيئات الأكثر خطراً فيما يمكن وصفه بالمراهنة. 

الشكل 8

الوساطات

الشكل 9

​ يظهر الشكل 9. الجهات التي توسّطت في حالات الاقتتال الداخلي وتتصدر الفصائل العسكرية هذه المهمة، فيما تعتبر الهيئات المدنية أقل الجهات المتدخلة، وإذ يمكن تفسير اعتماد الفصائل على نظرائها العسكر في فض نزاعاتها إلّا أن تضارب المصالح الممكن حصوله من جرّائه يضع العديد من الشكوك حول استدامة هذه الوساطات ونجاعتها على المدى الطويل. أمّا الشكل 10. فيبين البنود الأكثر شيوعاً في اتفاقات الوساطات حيث ترد البنود ذات الطابع العسكري (إعادة الانتشار، إطلاق سراح الأسرى، حل أحد الأطراف) بأكبر تواتر كما يظهر الشكل الحادي عشر، في حين لا تتعدى البنود ذات الطابع الاقتصادي (إعادة السلاح / مقرات / حواجز، تحييد الموارد) السدس، علماً أن الهيمنة بهدف السيطرة على مصادر المتلّقي تعتبر السبب المرجح الأول كما يكشف الشكل 12.، وهذا بدوره يضع العديد من الشكوك حول نجاعة الوساطات كونها لا تقدم حلولاً لأصل دافع الاقتتال. 

الشكل 10
الشكل 11
الشكل 12

وللوقوف على نجاعة الوساطات، يظهر الشكل 13. نوع التدخل حسب المسببات المرجحة، وفي حين تتصدر منطقياً البنود ذات الطابع الردعي (قانوني وعسكري) حلول النزاعات التي حفّزتها التهديدات العسكرية، نجد أن التدخل الاقتصادي الذي يتوقع له أن يتصدر قائمة حلول النزاعات التي حفّزتها الهيمنة أتى في المرتبة الثالثة بنسبة 14%.

الشكل 13

أمّا بالنسبة لتعامل الفصائل مع الوساطات فيظهر الشكلان 14. و 15. عدّة أنساق كالتالي:

  1. ردّة فعل المبادر تملي إلى حد كبير ردّة فعل المتلّقي.
  2. هناك نزعة أكبر للقبول بالوساطة من رفضها.
  3. هناك نزعة أكبر للقبول بالوساطة عند تقدم المبادر، ويمكن إرجاع ذلك إلى حرص المتلّقي على عدم خسارة المزيد من الموارد، وحرص المبادر على الاحتفاظ بمكاسبه.
  4. هناك نزعة أكبر لرفض الوساطة عند انحسار المبادر، ويمكن إرجاع ذلك إلى أمل المبادر باستعادة ما خسره.
  5. هناك نزعة أكبر لقبول المبادر للوساطة عند قرب زواله، في حين لا تنخفض نسبة القبول لدّى المتلقي للنصف.
الشكل 14
الشكل 15

الأسباب المقدمة للحاضنة الاجتماعية والمرجحة

يبين الشكل 16. الأسباب المقدمة للحاضنة الاجتماعية مقابل الأسباب المرجحة، وتظهر دعوى الانتماء لداعش في رأس الأسباب المعلنة وقد يعود ذلك إلى سرية التنظيم وصعوبة دحض الاتهام أو إثبات خلافه، وفي المقابل تظهر دعوى الانتماء للغرب الأقل وروداً وقد يعود ذلك لعدم اعتباره مبرراً كاف لدى الحاضنة الاجتماعية للمبادرة بالقتال. ويمكن استخلاص القراءات التالية:

  1. لا تعتبر دعوى الانتماء لداعش خاطئة، فلقد تم استحضار هذا المبرر في معظم الحالات التي كان يواجه المبادر فيها تهديداً حقيقياً.
  2. يتم استحضار مبرر محاربة الفساد في معظم النزاعات بهدف الهيمنة.
  3. يعتبر مبرر قتال فصيل قد استحوذ في وقت سابق على موارد المبادر الأصدق تعبيراً عن أهدافه. 
الشكل 16

الكلفة والفائدة

الشكل 17

بين الشكل 17. كلفة النزاع على المبادر، ويظهر أن كلفته منخفضة في معظم حالات الهيمنة، في حين ترتفع كلفته عند التهديد الوجودي وهذا ما يؤكد طبيعة المراهنة التي يقوم بها الفصيل للحفاظ على نفسه، وتنخفض الكلفة عند وجود تهديد مستقبلي بما يؤكد وجود وعي لدى الفصائل بمنافسة نظرائه له. أمّا بالنسبة للفائدة العائدة على المبادر فتظهر البيانات أن فائدة 40% من النزاعات بهدف الهيمنة منخفضة وهذه نسبة عالية مما يدلل على عدم تقدير المبادر لحجم مصادر الخصم، أمّا في حالات التهديد الوجودي فقليلاً ما تعود بفائدة عالية على الفضيل المراهن، في حين ترفع نسبة الحصول على فوائد جيدة عند مواجهة التهديدات بوقت مبكر. 

الشكل 18

​ملاحظات

التغير الديموغرافي في سورية
ديناميكية المواجهة والتعاون في منطقة الخليج: سقوط...

Related Posts

Comments

 
لايوجد تعليقات، علّق الآن!
هل انت مسجل لدينا من قبل؟ تجسيل دخول
Guest
الجمعة، 24 تشرين2/نوفمبر 2017