By نبيل عودة on الجمعة، 11 آب/أغسطس 2017
Category: المشرق

الصراع من أجل النفوذ

نشأ النظام الدولي كما نعرفه اليوم في ظل اتفاقيات ويستفاليا في القرن السابع عشر التي أنهت حرب الثلاثين عاماً في أوروبا. ولقد أسست اتفاقيات ويستفاليا مبدأ الاعتراف المتبادل بسيادة الدول ومفهوم الدولة القومية. ولقد أسهمت الحربان العالميتان في إعادة صياغة مصطلحي "السيادة" و"المصالح" ليتعدّا حدود الدولة القومية ولتربطهما بـ "المجال الحيوي" للدول المكوّنة للنظام الدولي.

وبشكل عام يجب أن تمتلك الدول الإقليمية ما يخوّلها من موارد مادية وأيديولوجية لقيادة أقاليمها المعنية، فمن حيث السلوك يجب أن تتصرف هذه الدول بما يعزز ويمثّل مصالح الإقليم ككل ويحافظ عليه من تدخل القوى التي تقع خارجه. كما ينبغي أن تعتمد هذه الدول سياسة خارجية استباقية لتأكيد دورها القيادي، وأن تحظى سياستها الإقليمية باعتراف قوى أخرى داخل وخارج أقاليمها المعنية. ولذا تعتبر القوة الإقليمية "لاعباً محورياً في حيّزها الإقليمي تحدد فطبيته، وتؤسس توازن قواه، وتملك من الأوراق ما يؤهلها للتفاهم مع الدول العظمى، ويمنعها من التدخل المباشر في مناطق نفوذها، ولكنها غير قادرة على بناء تحالفات فعّالة في الحيّز الدولي ولا تملك القدرة على إحداث تغيير جوهري في بنية النظام الدولي"[1].

أنظر للحاشية للاطلاع على تعريف الواقعية والليبرالية في العلاقات الدولية، وتصنيف الدول حسب القوة.[i]

[1] Elik, Suleyman, 2012. Iran–Turkey Relations, 1979 – 2001. Conceptualizing the Dynamics of Politics, Religion and Security in Middle–Power Starts. New York and London: Routledge, p.194 

تركيا وإيران قوّتان متوسطة

تُعتبر كلٌ من تركيا وإيران دولتان إقليميتان حظيتا على مدار تاريخهما الحديث بأدوار محورية في صياغة النظام الأمني والسياسي لمنطقة الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أثّرت كل من سياسة "تصفير المشكلات مع الجيران" التركية، وبرنامج إيران النووي على شكل التحالفات الإقليمية، وعلى توازن القوى في المشرق في العقد الأول من الألفية الثانية. وتتبنى كل من تركيا وإيران خطاباً سياسياً خاصاً متمايزاً تسعى من خلاله لتعزيز مساحة نفوذها الإقليمية. فعلى الصعيد الأيديولوجي، تتبنى تركيا نموذج ديمقراطي غربي تسعى للتبشير به في المنطقة، وتتبنى إيران نموذج ثيوقراطي اثنا عشري تحاول تصديره إلى جيرانها، وتتنافس كلتا الدولتين في تغليب عقيدتها السياسية الخاصة لصياغة هوية. وفي ذات السياق لا ينبغي إغفال البعد الطائفي الذي أضاف مركّباً جديداً على حسابات العداوة والصداقة بين الدول الإقليمية. 

​ أمّا على الصعيد الدولي، فلقد لعبت كل من تركيا وإيران دوراً هاماً في تحديد قطبية الإقليم ونظام التحالفات فيه. فعلى سبيل المثال لا الحصر، شكّلت تركيا أثناء الحرب البادرة حجر أساس في سياسة الولايات المتحدة في احتواء المعسكر الشيوعي، وكذلك إيران من خلال اصطفافها مع المعسكر الغربي أثناء حكم الشاه، أو بعد انتصار الثورة الإسلامية واعتبار الاتحاد السوفيتي خطراً يهدد النظام الجديد. ويتمتع الشرق الأوسط ببعده الجغرافي بأهمية استراتيجية في حسابات كل من تركيا وإيران، وتتباين المقاربة التركية والايرانية في التعامل مع دول المشرق تبعاً لاختلاف التوجهات الاستراتيجية للأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم البلدين. 

يبحث هذا الملف في جذور التوجهات السياسة التركية والايرانية تجاه المشرق لأجل فهمها حالياً واستشراف تطورها مستقبلاً، وذلك منذ انهيار الامبراطوريات بعيد الحرب العالمية الأولى حتى الوقت الراهن. ولا بدَّ من التنويه أن الورقة تبحث علاقة البلدين تجاه مناطق الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، ولن تبحث العلاقات البينية فيما بينهما. 

تركيا: العودة المتأخرة والمأزق الحالي

يسود إيمان لدى الساسة الترك أن أمان واستقرار تركيا يعتمد بشكل رئيس على حسن علاقة البلاد بالقوى الكبرى، فالليبيراليون من جهة يؤمنون بضرورة استمرار سياسات التحديث والتغريب، فيما يسعى الإسلاميون من جهة أخرى للتخلص من شبح الانقلابات. ولقد انتهجت تركيا سياسة سلبية أو شبه غائبة تجاه الشرق الأوسط حتى نهاية الحرب الباردة، وخضع تفاعلها مع دوله لردود الأفعال وخلا بالمجمل من مبادرات حقيقية ومستدامة تمكنها من بناء رصيد إيجابي لدى شعوبه أو طبقاته السياسية. ويعود ذلك بشكل رئيس إلى الصورة النمطية السيئة والمتبادلة بين تركيا وجيرانها العرب على وجه الخصوص. وتتكون الصورة النمطية لتركيا لدى العرب من عدّة عناصر تم توظيفها سياسياً في تشكيل خطاب شعوبي معادي للأتراك، وأهم هذه العناصر:

وفي المقابل، تحكّم مخيال "خيانة" الثورة العربية طويلاً بنظرة الترك للعرب، وعززتها سياسات أتاتورك التغريبية مما جعلها تنظر إلى المشرق العربي كورقة مساومة مع الغرب لتعزيز مكانة تركيا الاستراتيجية في سياسات احتواء المد الشيوعي أو الحرب على الإرهاب. ولكن دفع انتفاء الخطر السوفيتي أنقرة أمام واقع جديد، فلم تعد تمتلك أهمية استراتيجية في تحقيق توازن حيوي في مواجهة موسكو، وبدأت تبحث عن مصادر قوة جديدة في محيط حيزها الحيوي لإعادة تموضعها على ساحة التفاعلات الدولية، وعلى رأسها دول المشرق العربي. يستعرض هذا القسم من الملف، تطور الرؤية السياسية لتركيا وأثرها على تفاعل أنقرة مع دول المشرق، كما يبحث في أثر أولويات السياسية الداخلية في تحديد أولويات السياسة الإقليمية التركية.

الترك الجدد... إلى الغرب در

أدار الترك الجدد ظهورهم للشرق الأوسط بعد تأسيس الجمهورية التركية الحديثة إثر انهيار السلطنة العثمانية، وأرادوا أن يتخلوا عن الإرث العثماني بجميع فصوله، وإعادة تعريف هوية الدولة الجديدة وفق الأفكار والمبادئ الغربية. وتركّزت جهودهم على بناء تركيا الحديثة على الطراز الأوروبي وتغيير منظومة قيم المجتمع التركي الإسلامية والشرقية. وقد آمن مصطفى كمال أتاتورك - مؤسس تركيا الحديثة - أن سبب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى يعود لتفوق حضارة أوروبا على الحضارة المشرقية التي أسرت تقدم تركيا[1]. وتقوم عقيدة أتاتورك على المبادئ والأسس العلمانية، وتدعو لتغريب المجتمع التركي، ولقد أسست جهوده لتوجيه السياسية الخارجية للتركية نحو الغرب وذلك منذ نشأة الجمهورية التركية الحديثة حتى نهاية الحرب الباردة. 

[1] Kaplan, Robert, 2013. The Revenge of Geography: What the Map Tells Us About Coming Conflicts and the Battle Against Fate. New York: Random House Trade Paperbacks, p.289 

ولذا كان من الطبيعي اصطفاف تركيا مع المعسكر الغربي بزعامة واشنطن ضد العسكر الشرقي بزعامة موسكو إثر نهاية الحرب العالمية الثانية، خصوصاً في ظل التهديد السوفيتي الحقيقي على وحدة الأراضي التركية. فكانت أنقرة من أوائل من انضم إلى المنظمات الدولية ذات التوجه الغربي مثل حلف شمال الأطلسي، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الأوروبية (OECD)، والمجلس الأوروبي. ويفسّر بوزان سياسة تركيا في النأي بالنفس في المشرق برغبة أنقرة بالالتحاق بالعالم الغربي، مما يفسر أيضاً سعيها لتجنب كل ما قد يوحي أو يشير إلى هويتها الشرق الأوسطية[1]. ولقد اقتصر تعامل تركيا مع دول المشرق العربي طيلة هذه الحقبة، عبر الهاجس الأمني متمثلاً بالمسألة الكردية بشكل رئيس، كما تدل عمليات الجيش التركي ضد حزب العمّال الكردستاني في شمال العراق في التسعينات من القرن الماضي، وكذلك أزمة عام 1997 مع دمشق على خلفية دعمها للحزب، في حين فرضت عليها علاقتها المميزة مع الكيان الإسرائيلي نوعاً من العزلة الإقليمية. 

[1] Buzan and Waever, p.393

نهاية الحرب الباردة

خسرت تركيا أهميتها الاستراتيجية في احتواء المد الشيوعي مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، فبادرت بتبني سياسة أكثر تفاعلية مع جمهوريات آسيا الوسطى المستقلة حديثاً، ودول المشرق العربي التي ارتفعت قيمتها الاستراتيجية مع ارتفاع أسعار النفط دولياً. وترافقت نهاية الحرب الباردة مع إعادة إحياء الهوية الإسلامية في المجتمع التركي التي انتعشت في ظل سياسات تورغوت أوزال الإصلاحية حيث مكّن تحرير الاقتصاد الطبقة الوسطى المحافظة والأكثر تديناً في الأناضول من اعتلاء المشهد السياسي والتأثير على توجهات تركيا العامة ومن ضمنها إعادة تعريف علاقة البلاد مع الشرق الأوسط. 

وبطبيعة الحال أدّى تراجع أهمية تركيا الجيوسياسية لتراجع حدة التدخل الأجنبي في سياساتها الداخلية، فلم تعد تحظى القوى العلمانية والكمالية -الشريك الشبه حصري للغرب في البلاد- بنفس الزخم والدعم الدولي التي تمتعت به سابقاً، مما هيّأ الظروف المناسبة لصعود القوى الإسلامية والقومية على حساب القوى اللبرالية واليسارية التي تآكلت شعبيتها لسوء آدائها السياسي والاقتصادي. ولقد شكّل وصول انتخاب نجم الدين أربكان سابقة من نوعها في تاريخ تركيا الحديث بوصول حزب سياسي إسلامي صريح الهوية لسدّة الحكم في البلاد. وفي حين لم تدم تجربة حزب الرفاه طويلاً، إلّا أن تدخل الجيش التركي عام 1997 لم ينجح في كبح جماح التغيير في البلاد، التي باتت تستعد لتسليم دفّة قيادتها لقوى جديدة أكثر إصراراً على إكمال مسيرة التغيير وإعادة تركيا إلى صدارة العالم الإسلامي.

تجسدت إعادة بعث الثقافة المحلية التركية في تجدد الأولويات الإسلامية في البلاد وعلى رأسها التصالح مع إرثها العثماني ومع جيرانها العرب والمسلمين، وتغيرت تبعاً نظرة الترك للعرب من مجرد تهديد أمني إلى خزّان فرص يمكن أن يعزز استقلال أنقرة ويدفعها للعودة بقوة إلى المشهد الدولي كقوة ناعمة قادرة على قيادة المنطقة. إلا أن عودة تركيا للشرق الأوسط جاءت متأخرة، الأمر الذي حجم من قدراتها في ممارسة كامل نفوذها الكامن في المنطقة وضيق من هامش استغلالها للفرص المتاحة.

ويمكن حصر ثوابت السياسة الخارجية التركية بعدّة نقاط كالتالي:

"العثمانيون الجدد"

يعتبر وصول حزب العدالة والتنمية التعبير الأكثر وضوحاً عن التحولات العميقة التي طرأت على الهوية التركية، ولقد تبنى الحزب سياسة أكثر استقلالية وأكثر نشاطاً تجاه الشرق الأوسط، فانتقلت تركيا من مجرد لاعب هامشي في الشؤون الإقليمية إلى لاعب محوري على الصعيد السياسي، والاقتصادي، والتجاري. ولعبت المرجعية الأخلاقية الإسلامية للحزب، اضافةً لتعثر مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وطموح الساسة الترك الجدد أدواراً هامة في تشجيع أنقرة على التوجه نحو الشرق الأوسط. وهدفت سياسة العدالة والتنمية الخارجية لإيجاد تحالفات وأسواق جديدة تلبي طموح تركيا في زيادة نفوذها وتأثير الإقليمي والدولي. وتجسّدت حزمة هذه السياسات سريعاً في رفض البرلمان طلب الولايات المتحدة باستخدام الأراضي التركية في غزو العراق عام 2003، بعد عام واحد من فوز الحزب في الانتخابات التشريعية. 

وتبعاً بادرت تركيا "العدالة والتنمية" إلى ترميم علاقاتها مع دول الجوار، خصوصاً كل من سورية وإيران والعراق، فأسقطت تأشيرات الدخول عن مواطني هذه الدول، وأنشأت مجلس للتنسيق الاستراتيجي عالي المستوى مع حكوماتها، وسارعت في تشكيل شراكات اقتصادية وتجارية مع قطاعيها العام والخاص. ولقد انعكست هذه السياسة بشكل إيجابي على الاقتصاد التركي الذي شهد طفرة في النمو، بلغت معدلاته 7.2% سنوياً بين عامي 2002 و2007. أمّا على الصعيد السياسي، فلقد تحوّل الشرق الأوسط من مجرد ورقة للمساومة مع الغرب إلى حقل استثمار جيوسياسي واقتصادي حقيقي. 

أدرك التُرك سريعاً أن استمرارية هذه المنجزات تشترط استقرار الشرق الأوسط، فدورهم قائم بالأساس على تحفيز الاقتصاد الاقليمي، وتعزيز الاستثمار الخارجي، ولذا كان لا بد من توفير الأمن اللازم لازدهار تجارتهم وبالتالي زيادة رصيدهم السياسي والاجتماعي في المنطقة. وبناء على ذلك، شرعت تركيا باستخدام قوتها الناعمة في حل النزاعات الإقليمية وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي خصوصاً في ظل الحرب العالمية على الارهاب. وأصبحت تركيا نشيطة جدا في عمليات حفظ السلام، والوساطة في المنطقة؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، لعبت تركيا دوراً هاماً في المحادثات غير المباشرة بين حركة حماس وإسرائيل عام 2006، وبين إسرائيل وسورية عام 2008، كما ساهمت في قوات حفظ السلام الدولية في لبنان في عام 2006، بالإضافة إلى وساطاتها المتكررة في برنامج إيران النووي كان أبرزها التوصل إلى صيغة اتفاق دولي برعاية مشتركة مع البرازيل عام 2010. 

تركيا والربيع العربي

حققت السياسة الخارجية التركية في العشرية الأولى من الألفية الجديدة نجاحات لا يمكن اغفالها، فقد آتت سياسة "تصفير المشكلات مع الجيران" ثمارها إلى حد كبير، وتطورت علاقة أنقرة مع جيرانها بشكل حسن، وباتت مضرب مثل الغرب في نجاح النموذج الإسلامي المعاصر للحكم الديموقراطي والمتصالح مع محيطيه الإقليمي والدولي. ومع اندلاع "الربيع العربي" في العام 2011 وتصدر الاسلاميين للمشهد السياسي، بات التُرك على أعتاب قطف ثمار عشر سنوات من الصعود المتواصل.

تأسست المقاربة التركية إزاء ثورات الربيع العربي على فرضيتين أساسيتين، أولها: ضرورة التكيّف مع تطورات الشرق الأوسط وعدم جدوى مقاومتها، وثانياً: ضرورة استثمار هذه التطورات في تعظيم مصالح تركيا في المنطقة على الصعيد السياسي والاقتصادي والأمني. وبناءً عليه يمكن رصد أبرز محددات المواقف التركية من ثورات "الربيع العربي" على النحو التالي:

  1. المحدد السياسي: افترض الترك أن يتبنى الثوار العرب نموذج حكم العدالة والتنمية، وأن توفر بلادهم مجالًا حيوياً جديداً لتكثيف نشاط أنقرة في معالجة الخلافات العربية الداخلية، والحد من التدخلات الدولية فيها.
  2. المحدد الاقتصادي: افترض الترك أن تفسح الثورات العربية المجال أمامهم وأمام شركائهم في استحضار دور تركي مساهم في إنقاذ اقتصادات هذه الدول.
  3. المحدد الأمني: أثارت ثورات الربيع العربي العديد من التحديات الأمنية بالنسبة لتركيا‏، فتولد لديها أولوية وقف السيولة الأمنية خصوصاً لدى جيرانها التي نشط بها حزب العمّال الكردستاني.
اصطدمت هذه الفرضيات بهواجس الأنظمة العربية التقليدية التي تعاملت مع الربيع العربي من منظورها الأمني،حيث توجست خيفة من دور أنقرة في دعم الثورات العربية، فقامت بدعم خصوم حلفاء تركيا المحليين. وتزايدت حدة الاستقطابات بين أطراف الصراعات الدائرة مما قيّد من فاعلية الدور التركي سواءً على مستوى قدرتها على معالجة أزمات المنطقة، أو توظيف النشاط السياسي والدبلوماسي التركي في تعزيز مكانة أنقرة في المشرق. وتعرض الاقتصاد التركي لخسائر في الدول التي شهدت ثورات، حيث تراجعت صادراتها خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2011 بنسبة 24% إلى كل من مصر واليمن، و20% لتونس، و43% لليبيا، و5% لسورية.

​موجة الثورات المضادة

​ شكّل الاسلاميون العرب حليفاً طبيعياً للعدالة والتنمية، وأضحى الحديث عن النموذج التركي في الحكم يُسمع صداه في عدد من عواصم دول المنطقة، ولقد كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أول زعيم إقليمي يزور دول الثورات العربية، ويخطب أمام شعوبها. إلا أن نشوة الانتصار السريع أغفلت الترك عن سر نجاحهم الأول في المنطقة، وغلبت مواقفهم المبدئية على حساباتهم السياسية القائمة على مبدأي الحياد والوساطة، فباتت بفعل الثورات المضادة طرفاً في الصراع بعد أن نجحت في وقت سابق في الترفع عنها. 

أحدثت موجة الثورات المضادة عام 2013 صدمة حقيقية للأتراك، ووضعت رهانهم على الاسلاميين العرب في مهب الريح، فقد تعرض اسلاميو مصر إلى ضربة قاصمة إثر الانقلاب العسكري، بينما تراجع إسلاميو تونس خطوات للوراء، واستمر نزيف الرهانات التركية في ليبيا بعد تمرد خفتر على حلفائها في طرابلس، وفي اليمن بعد اجتياح الحوثيين لصنعاء. وعلى الرغم من خسارة تركيا لكمونها الاستراتيجي في هذه البلاد، إلّا أن الخسارة الأكبر التي تكبدتها أنقرة حدثت في دول جوارها المباشر كانت في سورية على وجه الخصوص. 

الثورة السورية

شكّلت الثورة السورية تحدّياً للدبلوماسية التركية، فقد اعتبرت علاقتها المميزة مع دمشق قصة نجاح حقيقية لاستراتيجية "تصفير المشكلات مع الجيران". ولذا لم تسرع تركيا في ابداء موقف حاسم من النظام مع بداية الثورة، بل بادرت بالقيام بعدّة زيارات بهدف أقناع بشار الأسد بالاستجابة لمطالب الإصلاح، إلّا أن إصرار النظام على اتّباع النهج الأمني في التعامل مع المظاهرات أدّى إلى تصعيد مطالب الثوار وتأزم المشهد السياسي في البلاد. 

أدركت حكومة حزب العدالة والتنمية أن فرص التغيير من خلال النظام الحالي ضعيفة، فأيدت مقترحات جامعة الدول العربية والأمم المتحدة وكوفي عنان مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، وآثرت أخيراً مواجهة الأسد. لم تشهد طيلة الأعوام الست الأولى للثورة السورية صداماً عسكرياً بين دمشق وأنقرة، إلّا أنها لم تخلُ من تحرش الأول ضد المدن الحدودية التركية، كما أن النظام السوري دعم عدداً من المنظمات الإرهابية التركية التي نشطت في جنوب البلاد، وفي المقابل نشطت تركيا في تقديم الدعم اللوجستي لقوى المقاومة الوطنية في حربها ضد النظام. 

داعش

أدّى ظهور تنظيم الدولة (داعش) وسيطرته على أجزاء واسعة من سورية والعراق إلى تأزم الموقف التركي، حيث دفع تطور الأحداث إلى تعارض مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. فقد تبنت الأخيرة أولوية هزيمة التنظيم على حساب أولوية أنقرة في اسقاط النظام السوري، كما اعتمدت على المليشيات الكردية الانفصالية في حربها ضد التنظيم، الأمر الذي أثار مخاوف الترك من انتقال العنف إلى داخل حدودها. ولم تنحسر إشكالات تركيا عند هذا الحد فحسب، بل ازدادت حساباتها تعقيداً بعد تدخل روسيا المباشر في سورية مما وضع بدوره حداً لطموح أنقرة بتغيير نظام الأسد، وعمل على تحجيم نفوذها في المنطقة.

لم تعد تركيا معنية بتوسيع نفوذها في ظل هذه التطورات بقدر اهتمامها بصيانة أمنها القومي، ودفع التهديدات الوجودية عن كيانها السياسي، ووقاية المجتمع التركي من الصراعات الأهلية التي تعصف بدول الجوار. ومن هنا جاء تدخل الجيش التركي في الأراضي السورية لتحقيق الأهداف التالية:

  1. وقف عمليات داعش الإرهابية في تركيا والقضاء على آخر وجود له على الحدود السورية التركية.
  2. إيقاف تمدد حزب الاتحاد الديموقراطي غربي النهر ومنعه من وصل كانتون عفرين ببقية نفوذه إلى شرق النهر.
  3. استعادة هيبة الجيش التركي بعد فشل انقلاب الخامس عشر من تموز وإلهائه بذات الوقت عن مجريات العملية السياسية التركية.
  4. .تهيئة الظرف الأمني المناسب لإقامة منطقة عازلة في شمال سورية.
  5. استعادة زمام المبادرة في الملف السوري وانتهاز التقارب مع روسيا في تثبيت قدم تركية في الجغرافيا السورية. 

آفاق تركيا في المنطقة

لم تصمد سياسية "تصفير المشكلات مع الجيران" أمام مد الربيع العربي طويلاً، فلقد قطعت أنقرة جميع علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، وتأزمت مراراً مع بغداد، إضافة إلى توترها مع طهران التي تتهمها باتباع سياسات طائفية في المنطقة. أمّا على الصعيد الإقليمي، فلقد اصطدمت تركيا مع محور دول الداعمة "للثورات المضادة" وعلى رأسها الإمارات والسعودية ومصر، والتي تتهمها شريحة واسعة من حزب العدالة والتنمية بدعم محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 من تموز 2016، بالإضافة إلى تقديم دعم لوجستي ومالي لحزب الاتحاد الديموقراطي، الفرع السوري لحزب العمّال الكردستاني. أمّا على الصعيد الدولي، فلقد ألقى الربيع العربي بظلاله على علاقات أنقرة مع الاتحاد الأوروبي، فتأثرت بدايةً بأزمة اللاجئين السوريين، وتطورت لاحقاً لاتهامات متبادلة بدعم إرهاب داعش وحزب العمّال الكردستاني، وبتوظيف ملفات حقوق الإنسان ضد حكومة إردوغان، وبتوجيه اتهامات لأوروبا في دعم جماعة غولن الإرهابية.

تقف تركيا على مفترق طرق، فيما يضيق هامش مناوراتها مع احتدام جهود المجتمع الدولي في محاربة الإرهاب وتعويم الأنظمة القمعية العربية التي وقفت ضدها أنقرة. وإذ تبدو فرص اعتماد أمريكا عليها في محاربة داعش شبه معدومة، لا تجد الحكومة التركية مفراً من التقرب من موسكو لحماية مصالحها المتآكلة في سورية. ولكن لا يخلو هذا التكتيك من مخاطر، فأفق التعاون الاستراتيجي مع روسيا مسدود فضلاً عن كلفته العالية، كما أن تركيا حريصة على عدم بلوغ مرحلة القطيعة الكاملة مع أمريكا. أمّا على الصعيد الإقليمي فلقد اجتهدت تركيا في إعادة الدفء لعلاقتها مع دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي تناوب على زيارتها الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته شاووش أوغلو، إلّا أن أزمة الخليج الأخيرة تهدد هذه المساعي بشكل كبير إذا دفعت أنقرة للوقوف مع الدوحة في مواجهة جيرانها الخليجيين.

وبعبارة أخرى، لم تكن السياسة الناعمة التي تبنتها تركيا تجاه الشرق الأوسط منذ مطلع الألفية أن تصمد في مواجهة التحديات التي فرضتها حالة عدم الاستقرار التي بلغت ذروتها بُعيد نجاح الثورات المضادة. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الالتفات التركي المتأخر للشرق الأوسط، وهو ما حرمها من بناء منظومة فعالة من النفوذ والتأثير، يصبح مأزق أنقرة الحالي أقرب للفهم. ويبقى أن نؤكد أخيرا على حقيقة أن التراجع في نفوذ دولة ما لا يعني بالمطلق غياب أهميتها الاستراتيجية، فما زالت تركيا بحكم قوتها وموقعها الاستراتيجي من الدول الاقليمية المحورية، ولا يمكن تصور التوصل إلى حل للأزمات الإقليمية من دونها. 

​إيران وحلم الهيمنة

تمتلك إيران مقومات أساسية للقيام بأدوار حيوية ومحورية في الشرق الأوسط، فبالإضافة إلى موقعها الجيوسياسي المشرف على الخليج العربي وبحر العرب وقزوين ودول القوقاز، يستند الساسة الإيرانيون على قاعدة شعبية واسعة، وثقافة وحضارة فارسية عريقة، وثورة معدنية هائلة تمكنهم من السعي لتحرير كمونها وصيانتها من التدخلات الخارجية التي قد تحد من طموحاتها الإقليمية. ويمكن وصف إيران بدولة مركبة الأجندات مزدوجة الطموحات، ففي حين يتحكم حلم عودة الإمبراطورية الفارسية بمخيالها السياسي، أكسبتها ثورة الخميني بعداً أيديولوجياً استطاعت توظفيه في حشد الشيعة العرب لخدمة طموحها التوسعي في الإقليم. وقد ساعد اسقاط نظام صدام حسين في العراق على تعزيز هذا الحلم المركب، فنجحت في السيطرة على الساحة العراقية، ومدّت أذرعها الى لبنان والبحرين واليمن، كما أنّها حافظت على تحالفها الاستراتيجي مع النظام السوري ونجحت حتى الآن في إنقاذه من السقوط. 

تنطلق سياسة إيران الخارجية في رؤيتها للعلاقات الدولية من منطلق صيانة مصالحها الحيوية، وإذ تطمح طهران لبسط سيطرتها على الخليج العربي، ولإيجاد موطئ قدم لها على شاطئ البحر المتوسط الأبيض، ولعودتها لممارسة نفوذها الثقافي والسياسي في آسيا الوسطى، قد يختلف الساسة الإيرانيون على أساليب وأدوات هذه السياسات ولكنهم متفقون دون أي أدنى شك على أحقية إيران الكاملة في تحقيق طموحها في الهيمنة على المنطقة. وبمعنى آخر، تسعى إيران أن يكون لها نصيب الأسد في قيادة الشرق الأوسط، ولا تفوّت الفرص في استعراض قوتها أمام خصومها العرب والترك، إمّا من خلال انتهاز ضعف الأنظمة المتهالكة لدفع أجنداتها عليها مقابل حمايتها، أو من خلال افتعال الفوضى لإفساح المجال أمام أذرعها المحلية في ملء الفراغ الناتج عنه. يستعرض هذا القسم من الملف تطور أداء السياسية الخارجية الإيرانية، وأطوار تدخلها في شؤون دول المشرق، وتعاقب أنظمتها الحاكمة على تحقيق أهدافها التوسعية في المنطقة. 

الشاه والعرب

إذا جاءت العودة التركية للمنطقة متأخرة بعض الشيء، فإن إيران لم تغب عنها في تاريخها الحديث، بل كانت سياستها تجاه الشرق الأوسط نشيطة وفعّالة مما عزز من نفوذها وتأثيرها فيه، وزاد من قدرتها على انتهاز فرص الهيمنة عليه كلما تجلّت لها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما سحبت بريطانيا قواتها البحرية من الخليج في أواخر الستينات، تدخلت إيران على الفور واحتلت جزر الإمارات الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى الاستراتيجية في مياه الخليج.

انتقلت إيران في ظل حكم الشاه من دولة هامشية ورقعة صراع دولي بين بريطانيا وروسيا في صيغتها القيصرية والسوفيتية إلى قوة إقليمية وذراع أمريكي في وقف المد الشيوعي نحو المياه الدافئة. وعلى الرغم من نفوذ واشنطن المتعاظم في طهران، إلّا أن الشاه سعى بشكل حثيث لإعادة تعريف دور بلاده في محيطه المجاور، ولقد قامت مقاربته في السياسة الخارجية على الأركان التالية:

  1. التحالف مع المعسكر الغربي وطرد شبح التوسع الشيوعي من البلاد، وإذ لم تغب الأطماع الغربية عن حسابات الشاه إلّا أنه فضّل التعامل والتكيّف معها من الوقوع ضحية الاحتلال السوفيتي الذي تكررت محاولاته في السيطرة على إقليم جيلان الغني بالنفط، وفي دعم الحركات الانفصالية الأذرية والكردية في شمال غرب إيران. ولقد قام الشاه بالتقارب مع واشنطن على حساب لندن من أجل كسر احتكار الأخيرة على جنوب إيران، وعمل على تحويل بلاده إلى وكيل أمريكي حصري للحصول على أكبر دعم ممكن منها.
  2. وجيه قطبية الإقليم نحو الغرب، فنسج الشاه علاقات قوية مع إسرائيل، ودعم السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، وعمل على إضعاف حلفاء السوفييت في المنطقة خصوصاً الأنظمة العربية ذات النزعة الاشتراكية كالنظام الناصري في مصر والنظام البعثي في العراق. ولقد تبنى الشاه هذه المقاربة أملاً في أن تحظى بلاده بدور ريادي في المنطقة انطلاقا من كونها الأكثر انسجاماً مع المعسكر الغربي فيها.
  3. تحويل إيران إلى القوة العسكرية الأولى في الخليج العربي، ولقد استغل الشاه مبدأ نيسكون في شراء جميع أنواع الأسلحة الأمريكية ما عدا القنبلة النووية. وغدت إيران بغضون سنوات قليلة بفضل تقاربها مع الولايات المتحدة، والطفرة التي أحدثتها أسعار النفط بعد حرب 1973 من أقوى الدول الإقليمية على المستوى العسكري، وأصبحت البحرية الإيرانية ترسل دوريات لها في مهمات أمنية خارج مياه الخليج وصلت حتى أعالي المحيط الهندي. لتضطلع طهران بلعب دور شرطي منطقة الخليج، والضامن لأمنها واستقرارها ضد أي تمدد للاتحاد السوفيتي أو حلفائه الاقليميين.
  4. تعظيم أرباح إيران من عائدات النفط والغاز، وفي حين اعتبرت ثورة إيران المعدنية لعنة عليها إذ استدعت تدخل القوى الدولية فيها، إلّا أن الشاه حرص على استثمار عوائده الضخمة في بناء البنية التحتية للبلاد، وفي تحديثها وفق رؤيته التغريبية الشبيهة برؤية أتاتورك في تركيا. ولقد عمل بالشراكة مع السعودية على إنشاء منظمة أوبك من أجل الحدّ من تحكم شركات النفط الدولية بالإنتاج القومي، ولأجل الحفاظ على أسعار تداوله العالية في الأسواق العالمية. ولقد عدت إيران أبان حكم الشاه أحد أهم منتجي النفط على مستوى العالم، وخزان المعسكر الغربي الاستراتيجي في مواجهة احتكار العرب لمعظم انتاجه.

بنى شاه إيران مقاربته تجاه الشرق الأوسط من خلال إيمانه بضرورة المحافظة على حالة الأمر الواقع وذلك بالتحالف مع الولايات المتحدة من أجل دفع الاتحاد السوفيتي بعيداً عن مياه الخليج قدر الإمكان، إلا أنه وفي سبيل تعزيز نفوذ إيران توصل لقناعة بضرورة التقارب مع جيرانه العرب، فتبنى مبدأ "الخيار العربي" في سياسته الخارجية، ودعم الموقف العربي ضد إسرائيل في حرب أكتوبر 1973. 

شكّلت حالة الاستقرار الإقليمي شرطاً إيرانياً أصيلاً لضمان موقع ريادي لها في الإقليم، ولذلك اعتمدت على مبدأ القوة الناعمة في تحقيق مصالحها الاستراتيجية. فرأت في الصراع العربي – الإسرائيلي مصدر تهديد لها، ولذلك حاولت الموازنة بين المتخاصمين، واستخدمت نفوذها للضغط على الأطراف المعنية من أجل التوصل إلى تسويات تمنع تجدد النزاعات الإقليمية، كما توصلت لتفاهمات حول ترسيم الحدود مع العراق، وتحملت العبء الكبير مع السعودية في الترتيبات الأمنية التي صاغتها الولايات المتحدة للمنطقة من خلال سياستها التي عرفت حينها بالدعامة المزدوجة. كانت إيران أكثر ميلا لاستخدام قوتها الناعمة سواء على الجانب الثقافي من خلال احياء الموروث الامبراطوري لإيران القديمة متمثلا بالطقوس الاحتفالية الامبراطورية للشاه والتي كان يقيمها في المناسبات الوطنية، أو من خلال الانتعاش الاقتصادي والذي تعزز بشكل ملحوظ في السبعينيات على إثر الزيادة الكبيرة في أسعار النفط حيث استطاعت إيران تقديم المساعدات المادية من خلال الاقراض المالي لبعض دول الجوار مثل عُمان. 

جمهورية إيران الإسلامية

ازداد الانخراط الإيراني في المنطقة بعد انتصار الثورة الإسلامية على يد الإمام الخميني، فبعد أن اقتصرت حسابات الشاه على البعد الجيوسياسي وحسب، اكتسبت سياسة إيران الشرق أوسطية بعداً دينياً طائفياً محوري تحت حكم الولي الفقيه. وتحوّلت استراتيجية إيران من مبدأ استخدام القوة الناعمة إلى تعزيز قوتها الخشنة من خلال تبنيها لسياسة تصدير الثورة والتي كانت تهدف إلى قلب أنظمة الحكم في المنطقة، وإقامة أنظمة إسلامية بدلاً عنها. فأصبحت إيران أكثر ميلا لاعتماد سياسة أكثر واقعية، ولتحقيق هذه السياسة تبنت إيران نهجاً استفزازياً يعتمد على آلية تمكين الأقليات الشيعية، وإنشاء أذرع موالية لها في الدول المجاورة، والبروباغاندا الإعلامية لحشدها ضد الأنظمة الحاكمة في البلاد العربية. وهكذا سعت إيران الخميني إلى قلب الأنظمة القائمة بدعوى محاربة الاستبداد وعملت على استبدالها بأنظمة حكم "إسلامية" على منهج ولاية الفقيه، وكل ذلك بهدف تتويج إيران كقائدة العالم إسلامي. وقد مارس الخميني مبدأ التكفير السياسي عندما اعتبر أن الأنظمة الملكية هي أنظمة غير إسلامية ويجب على حماة الدين العمل على اسقاطها واستبدالها بأنظمة إسلامية على النمط الإيراني. متم

تصدير الثورة

أعطت الثورة الإيرانية دفعة معنوية للشيعة العرب وأضافت لهم إحساساً بالتمكين بعد أن نصّب الخميني نفسه قائداً وحامياً للشيعة في العالم، وحفزهم انتصار الثورة في التمرد على الأنظمة السياسية في بلادهم، فلم يقتصر التهديد الذي شكلته إيران على أنظمة الخليج العربي على الجانب الأخلاقي والفكري فحسب، بل عمدت كذلك إلى تعبئة السياسية والعسكرية للشيعة ضد النخبة الحاكمة. فدعمت طهران حزب الله في لبنان، وقبله حزب الدعوة الذي أسسه آية الله محمد باقر الصدر في العراق.

أدّى الأثر المزعزع للثورة الإيرانية وردّة فعل الأنظمة المتأثرة به إلى تصعيد درجات التوتر الطائفي بين السنة والشيعة على مستوى الداخلي، وإلى توتير العلاقات الإيرانية مع دول الخليج العربية، ولقد شوهدت أهم تجليّاتها في العراق والبحرين والكويت والسعودية، الأمر الذي تطور إلى حرب دامية مع طهران كما هو الحال في العراق الذي يضم أكبر تجمعاً للشيعة العرب، والأقرب جغرافياً من إيران.

إلا أن الفشل الذين منيت به إيران في تحقيق أهدافها في الحرب مع العراق، والعزلة السياسية التي فرضت عليها إثر مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، دفعتا طهران إلى تبني استراتيجيتين جديدتين في فرض أجندتها الإقليمية:

  1. دعم فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس والجهاد الإسلامي، وهو ما سيؤدي ضمناً إلى تخريب عملية السلام والتي رأى فيها الإيرانيون الشماعة الأمريكية لمحاصرة وعزل إيران،
  2. واحياء برنامجها النووي، من أجل خلق رادع عسكري من استهدافها عسكرياً.
اعتبر الإيرانيون عملية السلام برعاية واشنطن تهديداً لنفوذهم الإقليمي، فلقد فرضت الأخيرة حصاراً اقتصادياً وعزلة سياسيةَ عليهم، ولم تتوانَ عن التهديد بتدخل العسكري ضد طهران ما لم تعد إلى حظيرة الطاعة الدولية، وتخلّت عن عدائها لإسرائيل. وهكذا بدا هدف احتكار المقاومة والممانعة أولوية إيرانية مما يمكّنها من امتلاك أوراق ضغط مباشرة لمساومة خصومها الدوليين على سلامتها. وقد شهدت أوائل التسعينيات بداية التواصل المباشر بين الحكومة الايرانية من جهة/ وممثلين عن حركة حماس والجهاد الاسلامي من جهة أخرى، وتمخض عنه دعماً عسكرياً ومادياً ولوجستياً إيراني وتصعيد العمليات العسكرية النوعية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي.

البرنامج النووي

لم تكتفِ إيران بمحاولة تشكيل محور "ممانعة" إقليمي بقيادتها لأجل تعزيز نفوذها الاقليمي وصيانة أمنها القومي فحسب، بل سعت لإحياء برنامجها النووي، وتطوير صواريخ بالستية بعيدة المدى لزيادة رقعة استهدافها "الصاروخي". وقد بلغ تحدي إيران للمجتمع الدولي ببرنامجها النووي ذروته مع مجيء الرئيس أحمدي نجاد إلى السلطة (2005-2013) حيث أعلن في كانون الثاني يناير 2006 عن إعادة فتح مجمع "ناتناز" لتخصيب اليورانيوم بعد توقف دام أربعة عشر شهراً. وقد صرّح نجاد في تشرين الثاني نوفمبر من العام نفسه عن قرب اكتمال دورة انتاج الوقود النووي، فيما جدد عزم بلاده على دخول "نادي الدول النووية" رافضاً التفاوض حول حقها الطبيعي في ذلك، وأكّد أخيراً في نيسان أبريل 2007 اكتمال قدرات إيران على تخصيب اليورانيوم على نطاق صناعي مع موقع تشغيلي جديد يحتوي على 1300 جهاز طرد مركزي في ناتانز"[1].

لم يكن لواشنطن أن تسمح طوعاً لإيران بتطوير قدراتها النووية، ولقد حظي هذا الموقف على اجماع جميع الإدارات الأمريكية المتعاقبة من بوش الأب انتهاء بترامب، وذلك انسجاماً مع استراتيجية الولايات المتحدة الدولية في الحد من الانتشار النووي في العالم. ولكن، في المقابل، اختلفت مقاربة الرؤساء الأمريكان في التعامل مع طهران حول سبل تحقيق هذا الهدف. ولقد سخّرت طهران هذا الاختلاف لتوظيف برنامجها النووي في:

  1. نزع اعتراف أمريكي بإيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أمن الإقليم، وتجلّى هذا الاعتراف في إطلاق يد إيران في العراق، وفي التعامل المرن معه في سورية.
  2. تجاوز ووقف العقوبات الاقتصادية على طهران، ولقد لقت نجاحاً محدوداً في هذا السياق حيث يشكّل عودة الجمهوريين في قيادة أمريكا عقبة رئيسية في رفعها بشكل كامل.
  3. إعادة فتح القنوات الدبلوماسية مع أوروبا الغربية التي ترنو وتطمح للاستثمار في إيران بدعوى التفاوض على النووي الإيراني، ولقد شهدت طهران ارتفاعاً في عدد الزيارات الدبلوماسية بعد إبرام اتفاق لوزان.
وفي هذا السياق، يمكن الاستدلال بأداء الدبلوماسية الإيرانية في مفاوضاتها مع ما يعرف بمجموعة الـ 5+1 على براغماتيتها العالية في التعامل مع تحدّياتها الخارجية والداخلية، إذ اعتبرت الاتفاق مخرجاً لمأزقها المحلي المتنامي من تبعات العقوبات الاقتصادية عليها، ومن تصاعد وتيرة الصراع مع الإصلاحيين الإيرانيين كما شهدت انتخابات 2009. ولقد نجحت طهران في تحويل اتفاق لوزان 2015 إلى إنجاز دولي لتأسيس حقبة جديدة من العلاقات مع الغرب، وإلى إنجاز داخلي في الاستجابة إلى مطالب شريحة واسعة من أبناء المدن، فيما حافظت على الإمساك بأوراقها ضغطها الإقليمية دون المساومة عليها أو التنازل عليها. 

[1] عودة، نبيل.، " الطريق الوعر: سياسة أوباما وبوش اتجاه "البرنامج النووي الإيراني"، موقع نصح، ابريل 28، 2017. 

توظيف أمن الإقليم

​ لم تقتصر السياسية الإيرانية الشرق الأوسطية على تمكين الشيعة في المنطقة، ودعم فصائل المقاومة، وتطوير قدراتها العسكرية فحسب، بل وظّفت حاجة القوى العالمية لاستتباب الأمن في الإقليم في تمرير أجندتها التوسعية فيه. وفي حين يقتضي المنطق أن يضع المجتمع الدولي حداً لمساهمة إيران في زعزعة الأمن في الإقليم، إلّا أن تقديم مساعدات جليلة لأمريكا عند غزو العراق وأفغانستان هو الذي مكّن طهران من إعادة ترشيح نفسها كشرطي المنطقة. فلقد أدّى ظهور التنظيمات السلفية العابرة للحدود إلى تراجع أولوية مواجهة إيران "المنضبطة" بنظر الغرب أمام مواجهة خطر الإرهاب "الجهادي"، وبات الحفاظ على "مؤسسات الدول" هدفاً أهم من إسقاط قوى "الشر" بعد مأساة اجتثاث البعث في العراق. 

لم تنجح إيران في تجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة فحسب، بل استطاعت من خلال أذرعها الإقليمية سواء أكان تحالف الشمال في أفغانستان أو حزب الدعوة في العراق، بسط نفوذها على البلدين وملء حالة الفراغ التي وفرها خصومها الإقليميين من خلال سياساتهم قصيرة النظر وتواضع قدراتهم الذاتية.

استثمار طويل وقدرة عالية على المناورة

أثبت الاستثمار الإيراني في المنطقة نجاعته في التعامل مع الربيع العربي، فبعد أن بات نفوذ طهران مهب الريح في كل من العراق وسورية، وذلك نظراً للتهديد الحقيقي الذي مثلته الثورات الشعبية على الأنظمة العربية الموالية لإيران، استنفرت إيران جميع قواها. فرمت بجميع ثقلها خلف حلفائها، ودفعت بكل طاقاتها في الحفاظ عليها إيماناً بأن هذه الدول تمثل خط الدفاع الأول عن أمن وسلامة الأمن القومي الإيراني. وقد عملت إيران على أربعة محاور من أجل دعم حلفائها:

  1. المحور الأول: تقديم الدعم المالي المباشر، وقد بلغ حجم المعونات التي قدمتها طهران للنظام السوري ما يقرب من مليار دولار شهرياً[1].
  2. المحور الثاني: تقديم الدعم اللوجستي، وذلك من خلال ارسال مستشارين رفيعي المستوى لدعم الجهود العسكرية للنظامين السوري والعراقي، ولم يكتف هؤلاء بالتواجد في غرف العمليات الخلفية بل لعبوا أدواراً هامة على خطوط الجبهات الأمامية كالعقيد مصطفى عزة الله سليماني الذي قتل في معارك حلب عام 2015.
  3. المحور الثالث: تجنيد وكلاء إيران وأذرع إيران الاقليمين، كحزب الله اللبناني، والحشد الشعبي العراقي، وجماعة الحوثيين اليمنية، وغيرهم من الجماعات الشيعية التي استقدمتهم إيران من أفغانستان وباكستان للقتال بجوار النظام السوري ومليشيات الحشد الشعبي في العراق.
  4. المحور الرابع: الدعاية الإيرانية للحصول على الشرعية المحلية والدولية اللازمة لتبرير تدخلاتها في دول الجوار، فتبنت في سورية سردية المؤامرة الكونية على دولة تشكل العمود الفقري لمحور الممانعة الذي يقف سداً منيعاً أمام مخططات الإمبريالية الأمريكية – الإسرائيلية في المنطقة، وأمّا في العراق فلقد تبنّت سردية محاربة الارهاب، والتصدي "للتكفيريين".
أثبتت إيران قدرة أعلى على خوض الحروب بالوكالة من جيرانها العرب والترك، وذلك باعتمادها على مليشيات معبّأة طائفياً، ومدربة عملاتياً، وذات ولاء ثابت غير متبدل، ولقد كشفت تجربة زج حزب الله في أتون الحرب السورية عن استعداد إيران المسبق لمثل هذه السيناريوهات. وبالفعل، حافظ وكلاء إيران في المنطقة على وجودهم حتى الآن، فلم يسقط نظام الأسد في سورية، وكذلك التحالف الشيعي الحاكم في العراق، كما حقق وكلاء آخرون تقدماً ملحوظاً على صعيد امكانياتهم العسكرية كحزب الله، أو على الصعيد السياسي كجماعة الحوثي في اليمن التي تحكم البلاد بعد انقلابهم على الشرعية.

[1] "The Facts Behind Iran's Involvement in Syria "THE FACTS BEHIND IRAN'S INVOLVEMENT IN SYRIA", Iran News Update, January 24, 2017. 

الخاتمة

لا تقتصر منطقة الشرق الأوسط على إيران وتركيا كقوى إقليمية تتنافس على الهيمنة عليه، إلّا أنهما الأوفر حظاً والأكثر قدرة على تبوء مقود القيادة فيه، وذلك يعود لموقعهما الجغرافي الاستراتيجيين، وقوتهما العسكرية والاقتصادية، وإرثهما الامبراطوري العريقين، بالإضافة إلى مؤسساتهما السيادية المتمرسة، الأمر الذي تفتقر إليه دول الجوار. وإذ لا تمتلك لا إيران ولا تركيا مقومات الانفراد بقيادة المنطقة، إلّا أن حظوظها تنمو بدرجة نجاحها في نسج شبكة من العلاقات المحلية وتوظيفها لصالح تحقيق مصالحها الاستراتيجية. تبدو إيران أكثر قدرة على الحفاظ على مكتسباتها على المدى القصير، فاستثمارها القديم في أذرع ووكلاء محليين مكّنها من التكيف سريعاً مع تغيرات الربيع العربي، في حين أخفقت تركيا في ترتيب أولوياتها وأصاب رصيدها الدبلوماسي نزيف حاد فيما تبحث اليوم بشكل عاجل عن وقفه.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن إيران هي الدولة الأقدر على تحقيق انجازات على مستوى الإقليم، وفي قيادته إمّا مباشرة من خلال أذرعها المتعددة، ولكن بأي ثمن؟ قد تنجح إيران في تحقيق أهدافها الاستراتيجية إلى حين، ولكنّها في المقابل استعدت شرائح واسعة من الشعوب التي دعمت قوى الاستبداد فيها، كما أنّها ألّبت شعوب المنطقة على أذرعها التي طالما استثمرت في تلميع صورتها وتحسينها، أمّا الخطأ الاستراتيجي الأكبر، فهو اعتمادها على روسيا حيناً وعلى حاجة أمريكا حيناً آخر في تعزيز مكتسباتها التكتيكية، وهي بالتالي عرضة للنقض حين يقرر الآخرين النكوص.

وعلى الرغم من احتدام التنافس بين أنقرة وطهران في المنطقة، ومن وقوعهما في محاور إقليمية ودولية متباينة، إلا أنهما تجنّبتا المواجهة المباشرة فيما بينهما حتى الآن؛ وذلك إدراكاً منهما أن أي مواجهة مباشرة من شأنها أن تضرّ بمصالحهما معاً. فتوصلتا معاً إلى أرضيات عمل مشتركة، كعملهما على حل أزمة البرنامج النووي الإيراني، ومواجهة الحركات الانفصالية الكردية، وسعيهما الأخير في التوصل إلى صيغة اتفاق وقف إطلاق نار في سورية بالتشارك مع موسكو في مسار الآستانا. ولكن لا يلغي وجود هذا "التفاهم" جنوح إيران المستمر للتوسع بشكل أكبر وأعمق على حساب تركيا في المنطقة وبشكل أخص في العراق وسورية.

تبدو إيران أقرب من أي وقت مضى لتحقيق حلمها في الهيمنة الإقليمية، فلم تكتف بتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي الاقليمي من خلال انخراطها الكبير والمباشر في أزمات المنطقة فحسب، بل عملت أيضا على تعزيز أمنها القومي ضمن حدود متخيلة في عمق أراضي الدول المجاورة لها. إلا أن اصطفافها ودعمها للأنظمة الدكتاتورية التي أوغلت في دماء شعوبها، وتفضيلها للعمل وفق سياسة الهويات الطائفية قد جلبت عليها عداوة الغالبية السنية من سكان المنطقة ، وبأنها وبسبب سياساتها التدخلية تضعف بشكل عام من قوة الأمة الإسلامية عن التصدي للمشروع الصهيوني في المنطقة. وفي نهاية المطاف، لا مناص أن يدرك الإيرانيون أن صيانة مصالحهم الحيوية لن يتحقق إلا من خلال اعتماد سياسة الحل الوسط، القائمة على مبدأ الاحترام المتبادل والعيش المشترك مع جيرانهم الاقليميين

في المقابل، يبدو أن الصعود التركي الاقليمي في العشرية الأولى من الألفية الجديدة آخذ بالتراجع. ولقد حققت تركيا هذا الصعود من خلال المحافظة على مستوى منخفض من التوتر الاقليمي عبر ممارسة أدوار الوساطة، وسياسة تقريب وجهات النظر، وهو ما أسهم في تقوية اقتصادها الذي شكل العمود الفقري للسياسة الناعمة للبلاد. ولكن تلاشى هذا الرصيد سريعاً مع تفجّر أزمات المنطقة بعيد الثورات العربية. فلقد فشل الترك أولاً في إسقاط بشار الأسد، وتمرد حزب العمّال الكردستاني من جديد وحظي أخيراً بدعم أمريكي متواصل، كما وجدت نفسها في مواجهة حلف الثورات المضادة (الامارات، السعودية، مصر) نتيجة علاقة أنقرة بتيار الاسلام السياسي ورؤيتها الديمقراطية لمستقبل المنطقة. ويعود هذا التراجع بشكل عام لثلاثة أسباب رئيسية: أولاَ، افتقار تركيا لرصيد استراتيجي في المنطقة وذلك بسب التفاتتها المتأخر للمنطقة والتي بدأت فعلياً مع مجيء حزب العدالة والتنمية للسلطة؛ وثانياً، محاولات تركيا المتكررة ولفترات طويلة لتمييز هويتها عن الشرق الأوسط؛ وثالثاً، مساومة تركيا على موقعها المشرف على الشرق الأوسط مقابل التقارب مع الغرب، مما أفسح المجال أمام إيران لملء الفراغ أثناء ذلك.

أثرت هذه العوامل مجتمعة على فرص تركيا في مدّ نفوذها خارج أراضيها بما يتناسب مع حجمها ومكانتها الاقليمية ومن ثم المحافظة عليه من الأفول عند تبدل الظروف. وتعتبر الظروف التي تسود فيها حالة من الاستقرار والأمن البيئة الأكثر ملاءمة لتركيا من أجل ممارسة قوتها في المنطقة؛ تلك القوة التي تعتمد بالأساس على الوسائل والآليات الناعمة. ولذا ربما يكون من الأنسب لمصالح تركيا الحيوية العودة لممارسة دورها كوسيط بين الأطراف المتنازعة للتوصل لتسويات تعيد حالة الاستقرار أو الاستقرار النسبي للمنطقة، وهذا ربما ما التفت إليه مجدد الترك مؤخرا من خلال الانخراط في محادثات آستانا والتي تبحث عن حل سياسي للأزمة السورية وإنشاء مناطق آمنة للاجئين. وأخيراً، ربما يكون تموضع تركيا في محور الثورات العربية، أو وقوفها مع المطالب الشعبية التي خرجت الشعوب تنادي بها قد أثر سلباً على حجم المكاسب التركية على المدى المنظور، ولكن ربما يشكل هذا التموضع لاحقاً – إذا ما أحسن الترك إدارة تحالفاتهم – رصيداً استراتيجياً يمكن البناء عليه لإعادة صعود تركيا مجدداً، وتعزيز نفوذها الإقليمي.

هامش

[i] يعتبر روادُ النظرية الواقعية في العلاقات الدولية التنافسَ أساس تفاعل الدول فيما بينها داخل النظام الدولي، والقوة أداة ووسيلة تحقيق مصالح هذه الدول. ولقد عرّف روبرت داهل القوة بقدرة أحد الأفراد على إرغام فرد آخر على القيام بأمر لم يكن ليقوم به دون استخدام القوة، أو دفعه للكف عن القيام بأمر لم يكن لينتهي عنه دون توظيفها. أما هانز مورغنثاو فقد عرّف القوة بـ "سيطرة الفرد على عقول وأفعال غيره من الأفراد". في المقابل، يعتبر منظرو الليبرالية في العلاقات الدولية التعاونَ بين الدول أساس النظام الدولي، والقوة إحدى الوسائل المشروعة لتحقيق مصالح هذه الدول. ولقد عرّف مؤلف كتاب "القوة الناعمة"، جوزيف ناي، القوة بمجموع القدرات اللازمة للتأثير في سلوك الغير. وقد توظّف بعض الدول قوة الجاذبية والإقناع بدلاً عن القوة العسكرية أو الإرغام في تحقيق أهدافها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تعتبر كندا، وهولندا، والدول الاسكندنافية متمرسة في توظيف أدوات القوة الناعمة لتعزيز نفوذها في العالم على الرغم من تواضع قدارتها العسكرية. تختلف عدّة مدارس في تصنيف الدول وفق أدوات القوة التي تمتلكها، فديفيد ماريس، على سبيل المثال، يصنف الدول إلى أربعة مجموعات: القوى العظمى: وهي الدول التي تمتلك القدرة على تغيير ميزان القوى في النظام الدولي؛ الدول الثانوية: وهي الدول التي تستطيع التأثير في النظام الدولي دون تغييره؛ الدول المتوسطة: وهي الدول التي تستطيع التأثير في النظام الدولي من خلال مشاركتها ضمن تحالفات أوسع مع دول أخرى؛ وأخيراً الدول الصغيرة: وهي الدول التي تضطر للمشاركة ضمن تحالفات مع دول أكبر منها من أجل امتلاك بعض التأثير في النظام الدوي. ويجدر بالذكر أن مصطلحي القوى المتوسطة والقوى الإقليمية يستخدمان بشكل متبادل في أدبيات العلاقات الدولية، حيث تشترك الدول المتوسطة والإقليمية في العديد من الخصائص خصوصاً فيما يتعلق بمقدراتها الاقتصادية، والعسكرية، والأهداف الاستراتيجية، ونمط السلوك السياسي. أمّا باري بوزان وأولي ويفر فلقد اعتمادا "القوة النسبية" أساساً لتعريف وتحديد حيّزين من القوى في العالم، الحيّز الأول على مستوى النظام الدولي وهو مكوّن من قوى عظمى Superpowers، وأخرى كبرى great powers؛ والحيّز الثاني على مستوى الأنظمة الإقليمية وهي مكوّنة من قوى محلية ذات قوة متوسطة، تنمو قدراتها ضمن أقاليمها المعنية وتلعب أدواراً مهمة في تشكيل وإدارة الديناميكيات الأمنية والسياسية الإقليمية دون القدرة على التأثير في الحيز الأول من النظام الدولي.