By نصح on الإثنين، 22 آب/أغسطس 2016
Category: مركز نصح

الحصار كأداة عسكرية وسياسية

​تمتع النظام السوري قبل التدخل الروسي بتفوقه على قوات المعارضة في سلاح الجو، إلا أنه فشل في استثمار هذا التفوق في إحداث فرق في سير المعارك، حيث اعتمد عليه بشكل رئيس في استخدام أسلحة عشوائية كان أثرها على المدنيين أعظم من نجاعتها في وقف تقدم الثوار، وأثرها على البنية التحتية أكبر من قدرتها على النيل من قدرات المقاومة. ولقد كشفت معارك تحرير محافظة إدلب في ربيع عام 2015 مدى عجز طيران النظام السوري في ردع قوى الثورة السورية، فيما تزال قدراته التعبوية في تراجع مستمر ومليشيات حلفائه في إنهاك متزايد بعد استخدامها على طول الجغرافيا السورية. أحدث اشتراك سلاح الجو الروسي نقلة نوعية في أسلوب النظام في مواجهة الثوار، فتم الاعتماد عليه في استهداف مقرّات المقاومة، وفي التمهيد لمعاركه باتباع تكتيك الأرض المحروقة، وأثناء عملياته العسكرية في تأمين الغطاء الجوي لقواته ومليشيات حلفائه.

ولقد نجحت روسيا من خلال تدخلها المباشر في سورية بتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية على الصعيد العسكري:

  1. احتواء التقدم الذي أحرزته المقاومة السورية في النصف الأول من عام 2015.
  2. انقاذ حليفه في دمشق من الانهيار الذي كان يهدده بعد انهيار قواته محافظة إدلب.
  3. المساك بزمام المبادرة العسكرية في سورية وإلغاء عنصر المباغتة لدى الثوار.

وتترجم تحقيق الهدف الأخير في فرض واقع جديد، تتحكم فيه استراتيجية روسية يمكن تلخيص أركانها بأربعة نقاط وهي:

  1. الدفع نحو استعادة النظام لمواقع استراتيجية في ريف اللاذقية، وفي بادية الشام، وعلى طول طريق أمداده لقواته في حلب.
  2. تعزيز محاصرة قوات المقاومة في جنوب البلاد، وتكريس واقع الانقسام بينه وبين الشمال، وتفعيل مسار الهدن المحلية والمصالحة فيه.
  3. إلغاء الجبهات المشتركة بين الثوار وداعش وسعيها لنزع الشرعية الدولية التي قد تكتسبها المقاومة في محاربة التنظيم.
قطع طرق الإمداد الرئيسية لقوات المقاومة، ومحاصرتها في جيوب يسهل التحكم فيها تمهيداً لأي أعمال عسكرية مستقبلية.

وتمثل الإدارة الروسية لسير معارك النظام وحلفائه في محافظة حلب نموذجاً وفياً لما سبق، حيث استهدف السلاح الجو الروسي قوات المعارضة في شمال المحافظة في محيط مارع واعزاز مما أدى لانحسارها أمام داعش، فاستغلت قوات سورية الديموقراطية – قسد – هذا التراجع للسيطرة على بلدة تل رفعت الاستراتيجية على طريق حلب – اعزاز الحيوي؛ كما مهدت للمليشيات العراقية والأفغانية لكسر الحصار على بلدتي نبل والزهراء وقطع مدينة حلب عن ريفها الشمالي من خلال القصف الجوي والمدفعي الكثيف على بلدات رتيان، وحردتين، وبيانون؛ وكذلك قامت بإمطار جبهة مزارع الملّاح بقنابل شديدة الانفجار مؤمنةً الغطاء الجوي الضروري لقوات النظام ووحدات الحماية الشعبية YPG لتمكينها من رصد طريق الكاستيلو أولاً ومن ثم قطعه بشكل نهائي بعد السيطرة على أحياء البليرمون وبني زيد ومزارع الملّاح، وبالتالي اطباق الحصار بشكل كامل على أحياء حلب المعاصرة. 

تكتيك النظام في معركة الكاستيلو​

اتّبع النظام فيما سبق أسلوب القضم البطيء في معاركه في شمال سورية، ويمر هذا التكتيك في أربعة مراحل أساسية، وهي:

  1. تجفيف موارد الثوار: ويستعين النظام بسلاح الجو الروسي في استهداف المنشآت الحيوية للمقاومة الوطنية كالمشافي والمخابز، والهدف من ذلك تعطيل قدرة الثوار التعبوية، والضغط على حاضنتهم الشعبية.
  2. التمهيد المدفعي: وتقوم القوات الموالية باستهداف الجبهات وخطوط الاشتباك لإجبار قوات المقاومة على إعادة الانتشار والانسحاب من خطوط الدفاع الأولى، ويتّبع سياسة الأرض المحروقة في المرحلة بإلقاء أسلحة شديدة الانفجار كالقنابل العنقودية والفسفور، بالإضافة إلى استخدام سلاح مدفعية النظام.
  3. العزل والحصار: وتتقدم القوات الخاصة بغطاء جوي توفره الحوامات الروسية (طيران منخفض مع قدرة مناورة وفعّالية عالية أمام الأهداف المتحركة) لاحتلال الأماكن المرتفعة كالتلال والأبنية المشرفة، والهدف تفريق قوات المقاومة بجيوب صغيرة ومتباعدة ومركزة مدفعية النظام في مواقع متقدمة على الجبهة.
  4. الاقتحام: ويتم زج أعداد كبيرة من الجنود (مكونة بشكل رئيس من أفراد المليشيات العراقية والأفغانية بالإضافة إلى الشبيحة وقوات جيش الدفاع الوطني) لاقتحام جيوب المقاومة المحاصرة واحد تلو الآخر بعد انهاكه بالقصف المدفعي والجوي. 

وتنشط قوات النمر إلى جانب المكونات المحلية الموالية والمليشيات الأجنبية في مثل هذه العمليات، وذلك لامتلاكها سلاح المدرّعات الذي تفتقده العناصر الأخرى، كما تشترك قوات الفرقة الرابعة في معارك محيط المدن الرئيسية والحيوية بإشارة واضحة من دمشق لحلفائها المحليين أنها لن تتخلى لهم عن إدارة المراكز الحيوية. ويعتمد تكتيك النظام وحلفائه في هذه العمليات على المبادرة في اختيار الجبهات والدفع بقوة نارية كبيرة لتشتيت قوات المقاومة الوطنية وسلب عنصر المباغتة منها، فيما تستغل ارتباك الثوار في إشعال جبهات جانبية لمنعها من تركيز جهودها وقواتها على الجبهات الرئيسية.

تميّزت معركة حصار حلب بمشاركة قوات وحدات الحماية الشعبية إلى جانب النظام انطلاقاً من مقراتها في حي الشيخ مقصود المشرف على طريق الكاستيلو، حيث قامت الأخيرة برصد الطريق بقنّاصات نشطت في استهداف الثوار عليه، كما أنها سجلت مشاركة فعّالة في المرحلة الأخيرة باقتحام حي بني زيد والأشرفية والسكن الشبابي. وعلى خلاف أسلوبه المتّبع سابقاً، اضطر النظام لاعتماد تكتيك جديد للسيطرة على المناطق المجاورة للطريق وذلك من خلال الزج بمجموعات صغيرة وبشكل متواتر ودائم على طول خط الجبهة، مما أدّى إلى تكبده خسائر بشرية هامة[i]، إلّا أنه نجح في استنزاف المقاومة الوطنية وفي السيطرة على الكتلة الصخرية وتل حمرة أعلى نقطتين مشرفتين على الكاستيلو. ولقد عملت القوات الموالية للنظام بعد رصد الطريق نارياً على التمدد على طول الأحياء المحاذية له قبل قطعه بشكل كامل، فسيطرت على مزارع الملاح إلى شماله وعلى أحياء الليرمون وبني زيد إلى جنوبه.

ومن الملفت للنظر في هذه المعركة غياب الحضور الإيراني على المستوى الإعلامي رغم تصريحات الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله التي وصف فيها معركة حلب بأنها دفاع عن لبنان وسورية والعراق[ii]، فلم يتم بث أي صور لمشاركة المليشيات العراقية أو الأفغانية باستثناء ورود بعض تقارير إعلامية تفيد بمشاركتها المحدودة في الليرمون ولكن لم يتسنى لنا التأكد من صحتها.

وبعد 11 يوماً فصلت بين رصد الكاستيلو نارياً وقطعه بشكل كامل، تمكنت قوات النظام من قطع الشريان الرئيسي لأحياء حلب المحررة، لتحاصر 300 ألف مدني بمقومات عيش ذاتية شبه معدومة، وهي مشرفة على صناعية الشقيف ومخيم حندرات الاستراتيجيين.

السياق السياسي لمعركة الكاستيلو

أعلن النظام عن معركة محاصرة حلب في سياق دولي مشجع شهد محادثات بين كيري ولافروف لإنشاء ما يسمى مجموعة التطبيق المشتركة (Join Implementation Group)[i] بهدف تنسيق الجهود العسكرية الأمريكية الروسية في استهداف جبهة النصرة، والتمهيد لعملية سلام نهائية على حد زعمهم. وتنص مسودة الاتفاق الأمريكي على:

  1. مشاركة المعلومات الاستخباراتية بين البلدين، وتوحيد جهودهما في استهداف جبهة النصرة وداعش.
  2. التصريح بمقرات المعارضة المعتدلة لعدم نعرضها للقصف الروسي.
  3. تحييد سلاح جو النظام وعدم السماح له بالاشتراك بأي طلعات جوية باستثناء تنظيم داعش وبموافقة سابقة من مجموعة التطبيق المشتركة.
  4. إقامة غرفة عمليات مشتركة في العاصمة الأردنية عمّان لتنسيق العمل العسكري.

وعلى الرغم من وجود صعوبات ومعوقات أمام إتمام الاتفاق بين واشنطن وموسكو وهي:

  1. عدم وجود آليات محاسبة للخروقات، مما يستدعي سك وريبة البنتاغون،
  2. إصرار الروس على ضم كل من جيش الإسلام وحركة أحرار الشام على لائحة المستهدفين؛

إلّا أن المناخ العام الذي دفع البيت الأبيض لتقديم تنازلات من هذا الحجم لخصمها الروسي، شجّع بدوره النظام على المضي قدماً في خططه لمحاصرة الأحياء المحررة من حلب، الأمر الذي كانت تمنعه أمريكا في مراحل سابقة لتبعاته الخطيرة على أمن المنطقة والإقليم.

أمّا على الصعيد الروسي، فلدى لافروف رغبة حقيقية في حسم المعركة السياسية قبل الانتخابات الأمريكية في تشرين الثاني 2016، وذلك لاستغلال المرونة التي أبداها أوباما في سورية والمنطقة والتي قد لا تشترك الإدارة الجديدة معه فيها بالضرورة. وقد شهدت الجولات السابقة من مفاوضات جنيف 3 بين هيئة التفاوض العليا والنظام السوري تعثراً جلياً لم ينتج عنه أي تقدم حقيقي نحو تحقيق تسوية سياسية بين الطرفين، وعلى الرغم من تعدد محاولات المبعوث الدولي استيفان دي مستورا في الالتفاف على تعنت النظام ومعارضة وفد الهيئة لتقديم التنازلات، إلا إنه فشل في تقديم أي نجاح يذكر أو تقدم ملحوظ نحو حلحلة الجمود القائم. ولذا وجدت الإدارة الروسية في محاصرة حلب فرصة سانحة في تحسين شروط وتسريع ابرام أي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة وفي تحريك المياه الساكنة على صعيد جنيف، ولقد عكست تصريحات لافروف عقب نجاح قوات النظام في رصد طريق الكاستيلو في الـ 17 من تموز[ii] هذا التوجه عندما دعا دي مستورا إلى سرعة انعقاد جولة جديدة من مفاوضات جنيف.

أمّا على صعيد الأمم المتحدة، فيمكن تمييز موقف وكالاتها الإغاثية التي دعت إلى رفع الحصار عن المدنيين والسماح للمساعدات الإنسانية بالدخول إلى المدينة[iii]، وموقف دي مستورا المفوض بإدارة العملية التفاوضية بتكليف من الأمين العام، حيث دعا أولاً إلى استئناف المفاوضات في جنيف[iv] ولاحقاً إلى تسليم المعابر الإنسانية التي أنشأتها القوات الروسية حول الأحياء المحاصرة[v]. في حين لبّى نائبه رمزي عزالدين رمزي دعوة المعلم للقاء الأسد، أبدا الأخير خلاله استعداد حكومته لتطبيع الوضع في سورية بعد أن تمكن من حصار حلب.

ملاحظات

المراجع:

  1. قدرت بمقتل 200 عنصر على الأقل وفق الرصد الأولي لصفحات قتلى قواته
  2. حسن نصر الله معركة حلب دفاع عن لبنان وسورية والعراق https://goo.gl/lwuwCr
  3. Obama's Syrian Plan teams up American and Russian Forces https://goo.gl/cuNqHB
  4. ضغط روسي لعودة المفاوضات: http://goo.gl/K5VyRu
  5. 300 ألف محاصر متحدثة باسم الأمم المتحدة ألسندرا فيلوتشي http://goo.gl/cvAwyj
  6. دي مستورا يدعو لاسئتناف مفاوضات جنيف: http://www.alalam.ir/news/1843389
  7. دي مستورا يدعو لتسليم المعابر الإنسانية: http://goo.gl/RlVBgU